ISSUE 14 - page 23

23
لثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا، كما
يراها بعض المثقفين، رغم أهمية هذا المناخ الثوري.
للثورة. وقد
ً
فالمناخ والمزاج الشعبي كان جاهزا
توضح هذا المناخ الداخلي منذ البداية بوحدة
المشاعر الغاضبة المكبوتة للشعبكله، وأهدافها
الداعية لإسقاط النظام، والتي تجسدت بالانتشار
السريع للثورة في كل المدن السورية، بمشاركة
،ً
كل مكونات المجتمع، والذي لم يكن مبرمجا
مسبقة، أو برامج سياسية
ٍ
أو بحاجة إلى وصفة
جاهزة. وكانت شعارات الثورة، وتسمية أيام
الجمعة التي تشير إلى وحدة هذه المشاعر ضد
«للموت نحن معاك يا درعا، يا
النظام مثل:
«الشعب السوري
و
حمص، يابانياس.. الخ»،
.. الخ
واحد»
إلا أن نجاح النظام في وحشيته بقتل المتظاهرين،
أمنية،
ٍ
وإعادة الخوف، وتقطيع المدن إلى بؤر
وحصرها في الجوامع، حتى يبرر للعالم وصفها
بالعصابات السلفية المسلحة، لا يعني أن المناخ
للثورة، أو أن الثورة
ً
الشعبي العام لم يكن ملائما
افتقرت إلى الوحدة الشعبية الوطنية.
وقد جسد الثوار في سوريا على الأرض كل
القيم الثورية السلمية النقيضة لعنف النظام، مثل
التظاهر، والاعتصام، مع الورود والشموع، إلا أن
الثوار كبشر لا يملكون الطاقة المطلقة لاحتمال
مواجهة الرصاص بالصدور العارية للأبد. ولم
يكن أمامهم سوى حمل السلاح ليس من أجل
، من أجل
ً
الدفاع عن أنفسهم فقط، إنما أيضا
استعادة الإرادة المسلوبة، والإحساس بوجودهم
الإنساني كبشر، ولعدم قدرتهم على الاستمرار
بالعيش في حظيرة الأغنام، ولمعرفتهم الفطرية بأن
ٍ
هذا النظام لا يسقط إلا بالقوة. فهل يمكن لأحد
أن ينصح الشعب أن يعود إلى الحظيرة؟
لقد انتهت مرحلة استجداء النظام كي يقوم
ببعض الإصلاحات، كما كانت تفعل المعارضة
القديمة خلال المراحل السابقة، ولم يترك النظام أية
للحل السياسي السلمي، أو التسوية مع
ٍ
فرصة
وجودي
ٍ
الثوار الجدد. وتحول الصراع إلى صراع
مفتوح قطباه: إما الشعب، أو النظام.
الثورة الشعبية في سوريا هي ثورة سياسية وطنية
بالدرجة الأولى. ومن الطبيعي مثل أية ثورة،
أن تؤدي إلى انقسام واصطفاف جديد للقوى
السياسية والمجتمعية على كافة المستويات بين
مؤيد للثورة، ومعارض لها.
أولى هذه الانقسامات بين رموز المعارضة
القديمة، والتيكانت تطالب النظام بالانتقال نحو
التي
«هيئة التنسيق؛
الديمقراطية، فمن جهة،
في حديقته الخلفية كي
ً
أفسح لها النظام مكانا
«لا للعنف، لا للطائفية، لا
تردد مع النظام
دون أن يلتفت إليها حتى
للتدخل الخارجي»،
حراس الحديقة. وبالمقابل، المؤيدين للثورة، والذين
، ثم تحول
«المجلس الوطني السوري»
شكلوا
، والذي فشل في النهاية
«الائتلاف الوطني»
إلى
للثورة.
ً
سياسيا
ً
أن يكون قائدا
وثاني الانقسامات التي نجمت عن انفجار المجتمع،
وهي الأخطر، وبروز المكونات المستنقعية ما قبل
الوطنية للمجتمع، والتي أظهرت السلم الأهلي
المزيف، وهشاشة الوحدة الوطنية الساكنة تحت
ظل الاستبداد، وهشاشة النسيج الاجتماعي،
الذي يشكله التنوع الطائفي والقومي، والذي
،
هجينة لم تتأصل بعد»
ً
«هوية
ً
أنتج تاريخيا
«أحدثت
انفجرت مع تسارع الصراع المسلح، و
على ذلك التنوع الأفقي، ليزيد
ً
انقساما عموديا
كما لاحظت بحق
من تشظي الهوية السورية»
ناريمان عامر.
وقد تجذر الانقسام بشكل أعمق، بسبب
فشل الثوار في ادارة المناطق المحررة وتقديم نموذج
لقيم الثورة، ومبادئها في الحرية والكرامة، بحيث
كان يمكن أن تشجع الاغلبية الصامتة من كل
الطوائف على الانضمام الفعلي للثورة.
ومع استمرار سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها
«إما أنا، أو لا أحد»، «إما
النظام وفق شعار:
. يتكرر السؤال معكل
الاسد، أو نحرق البلد»
صباح، ومع كل مجزرة جديدة، حول طبيعة هذا
ٍ
النظام وبنيته، الذي يحرق الشعب والمدن بطريقة
لم يفعلها كل الطغاة في العصر الحديث.
وهذا يضعنا أمام «المسكوت عنه» منذ قيام
الأب بالانقلاب عام (0791)، بسبب تجريم
للحديث عن بنية النظام. لأن
ٍ
النظام لأية مقاربة
أي حديث عن بنية النظام سيؤدي إلى تعرية
«هو الوحيد
النظام ببنيته الطائفية، وحتى يبقى
محرك التطييف الوحيد الذي عمل على
كما لاحظ
تقسيم المجتمع والدولة طائفيا»،
محمد ديبو في الكتاب المذكور.
وبدون الخوض في التفاصيل، فقد كشفت
«ودولته الأمنية
الثورة البنية الطائفية للنظام
الطاغية التي التهمت المجتمع والدولة»
بتعبير طيب تيزيني. ورغم الانشقاقات الكثيرة
والاعتقالات والتصفيات الدموية التي تعرض لها
الجيش، استمرت بقايا الجيش والأجهزة الأمنية
متماسكة، وهي العصب المركزي للنظام، بسبب
. بالإضافة
«العلوي»
انتمائها الطائفي الواحد
إلى استقدام الميليشيات الشيعية من لبنان وإيران
والعراق. وتشكيل محور طائفي شيعي إقليمي في
المنطقة ضد الثورة، التي يتم جرها إلى المحور الآخر
بقيادة السعودية.
«السني»
والذي يفسر شراسة العنف وفظاعته، ليس
، أو
«سلطاني»
أو
«استبدادي»،
لأن النظام
. ولأن
ً
طائفيا أولا
ً
، إنما كونه عنفا
«شمولي»
أن
ً
. والملاحظ تاريخيا
ً
هذه الطائفة أقلية ثانيا
عنف الأقلية الطائفية أكثر شراسة من عنف
الأكثرية. وهذه البقايا المقاتلة لا تدافع عن
عي النظام،
ّ
الطائفة والأقليات الأخرى، كما يد
إنما تدافع عن مصالحها الخاصة التي اكتسبتها
مسيطرة على المجتمع كله. ولأن النظام
ٍ
كسلطة
أمام الأقليات وأمام أغلبية العلويين
ٌ
مكشوف
خاصة، فقد فشل في دفع هذه الطوائف باتجاه
الحرب الأهلية الطائفية حتى الآن.
إلى
ً
والمقاومة السلمية، كي تنجح بحاجة أولا
للاعتصام
ٍ
للحركة، وللرأي، مكان
ٍ
هامش
من مظاهرات مدينة بنش - عدسة محمد حاج قدور
جرن حنطة
آذار 4102
-
العدد 41
1...,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33 13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,...48
Powered by FlippingBook