ISSUE 15 - page 9

9
على التسلل بين المنازل المتناثرة
ً
كان يواظب يوميا
والمهجورة التي تفصل المدينة عن حاجز النظام،
تضاريس الأرض
ً
حربي، مستغلا
ٍ
بمنظار
ً
حا
ّ
سل
ُ
م
على الأشواك، فقط
ً
أو زحفا
ً
والأعشاب حبوا
والاطمئنان عليه. وأية
ِ
من أجل الوصول إلى بيته
أثناء هذه المجازفة المجنونة سيكون ثمنها
ٍ
غلطة
وبين أول
ِ
أن المسافة بين منزله
ً
، خصوصا
ُ
حياته
لجنود النظام 051 متر!.
ٍ
متراس
بالمرارة،
ُ
ر
ُ
يقط
ُ
ه
ُ
وقد كان وجه
ً
ة
ّ
مر
ُ
زوجته
ُ
سألته
كيف الحال؟ فأجابها أنه لم ينجح اليوم بدخول
نحو الباب، وما
ً
م زاحفا
ّ
البيت، ففيما هو يتقد
يهدر
ٍ
تبة حتى فوجئ بكلب
َ
الع
ِ
إن اجتاز برأسه
في وجهه!، لذلك آثر الانسحاب والتراجع كي
ر الأمر إلى عواء وعندها ستكون الكارثة.
ّ
لا يتطو
ً
حدثت تلك القصة في مدينة تلبيسة، فكثيرا
ما يخاطر أصحاب البيوت الواقعة على الجبهة
على منازلهم.
ً
بحياتهم من أجل أن يلقوا نظرة
لأن البيت بالنسبة للسوري كما أعتقد يتجاوز
مفهوم المكان الذي يسكن فيه المرء ويخلد فيه
ز الذي يشعر داخله
ّ
للراحة والتأمل، أو الحي
ية الأمان، يضيف
ّ
بالاستقرار. فبالإضافة لخاص
ٍ
بمثابة وطن
ُ
ة الوطن ليغدو بيته
ّ
السوري خاصي
آخر داخل وطن، من هنا يطلق السوريين على
، يطلقون
ُ
طه
ّ
صحن البيت وهو باحة كبيرة تتوس
على تلك الباحة اسم /أرض الديار!/.
تلك الجاذبية التي تنشأ بين السوري ومنزله تصبح
وإبداع يديه،
ِ
أقوى حين يكون البيت من خلقه
. لقد
ِ
وشخصيته
ِ
ا لثقافته
ّ
مادي
ً
وبالتالي عاكسا
ف عن السوري منذ القدم اهتمامه بالمنزل
ِ
ر
ُ
ع
الخاص، حتى غدت البيوت السورية القديمة في
دمشق وحمص وحماه أحد أهم الآثار وتحت
يتها العالية في
ّ
حماية المنظمة العالمية للآثار، لفن
اد «تمنحك
ّ
الهندسة المعمارية، فهي بحسب النق
ً
مميزا
ً
تشعرك بالراحة، وتعطي انطباعا
ً
جميلة
ً
أجواء
في هذا المكان».
ٌ
بأنك سلطان
ً
خاصا
ً
وإحساسا
ً
قة
ّ
وموث
ً
لسوريين مازالت حتى الآن قائمة
ٌ
ثمة بيوت
منذ
ٍ
ار
ّ
في فلورنسا والبندقية بإيطاليا لعائلات تج
ً
القرن السادس عشر، وكان من الممكن نظرا
عت بها المدينتين
ّ
للمكانة التجارية التي لطالما تمت
السابقتين، الإقامة في أماكن مؤقتة كفندق أو
خان وما أكثرها.
إن سياسة حرق البيوت للناشطين السلميين،
ز
ّ
تدمير أحياء وقرى بكاملها يعز
ً
ثم لاحقا
الاعتقاد باغتراب هذا النظام عن الوطن الذي
تربطه بتاريخه، لأن
ٍ
ده من أية علاقة
ّ
يحكمه، ويجر
أو أرض، بل إن هذا
ٍ
الهمجية لا تنتمي لوطن
بواسطة
ٌ
وممنهج، سواء
ٌ
التدمير الهائل هو محسوب
طائرات الميغ أو القصف العشوائي أو البراميل
ة الأمان التاريخية
ّ
المتفجرة. ويهدف إلى نزع خاصي
ه مفهوم الوطن الصغير
ّ
التي يحملها البيت، ويشو
البيت يخسر لقبه
ً
في وجدان كل سوري، جاعلا
العريق بتوفير الحماية، وهذا ما دفع السوري أكثر
فأكثر للإحساس بأن جسده هو المكان الأخير
ي الصالح للاختباء، فكم من العائلات التي
ّ
تبق
ُ
الم
من القصف لتجد نفسها في
ً
تركت بيوتها هربا
سيئة. وفيما بعد
ٍ
مناخية
ٍ
العراء تحت رحمة ظروف
سيترككل هذا تأثيراته على الطفل السوري، فمن
معرض لرسوم الأطفال السوريين بأنطاكية والتي
نجح الفنان التشكيلي خليل حم سورك بتهريبها
من بيت
ٍ
من مدينة الرقة، سوف لن تخلو أية لوحة
مرسوم، والمذهل أن تلك الرسوم جميعها تكاد
تكون خالية من الطائرات أو دبابات!.
ر المختصون رسم الطفل للبيت، بأن الطفل
ّ
يفس
يبحث عن الاستقرار والرغبة بتكوين عائلة،
لأنه يشعر
ٍ
ش عن ملجئ
ّ
في كونه يفت
ً
وأحيانا
بالقلق وانعدام الأمان.
على جميع مفاصل
ٍ
وفي ظل هيمنة النظام لعقود
ية، كان على
ّ
مترد
ً
اقتصادية
ً
البلد وفرضه ظروفا
الشاب السوري أن ينفق 02 سنة من عمره حتى
ما يتعاون الأخوة في
ً
ينعم بمنزله الخاص وكثيرا
-أي النظام-
ُ
سبيل ذلك، الأمر الذي جعله
ة بين الإنسان السوري ومفهوم الأمن
ّ
ع الهو
ّ
يوس
بقلب
ِ
كعادته
ُ
ره
ّ
والأمان. ذلك المفهوم الذي زو
المفاهيم وتشويهها ليقتصر المفهوم حسب وسائل
إعلامه على أن الأمان هو عدم وجود قوة
استعمارية خارجية في الدرجة الأولى، وخلو البلد
من التنظيمات الإرهابية ذات الطابع الدولي في
ه وربطه
ّ
الدرجة الثانية واختزل مفهوم الأمان كل
ر النظام كل طاقاته
ّ
بشخص الرئيس، لذلك سخ
لمية
ِ
المخابراتية منذ بداية الاحتجاجات الس
واحد
ٍ
، ولم يتوقف ليوم
ً
لاستجلاب الأمرين معا
عن إلقاء البراميل المتفجرة والقصف العشوائي
على المدن والبلدات لتكريس المعادلة القديمة التي
تقول «الأمان مقابل شخص الرئيس»، وبذلك
لم يبق أمام السوري سوى جسده يتنقل به من
ٍ
أخيرة ينصبها في عصر
ٍ
مكان إلى مكان كخيمة
متوحش.
ُ
خيمة السوري جسده
وائل زكي زيدان
ملف
نيسان 4102
-
العدد 51
طفل سوري لاجيء
1...,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19 2,3,4,5,6,7,8,48
Powered by FlippingBook