محمد كيّاري
لم تكن ردة الفعل الإعلامية للنظام السوري في الأسبوع الأول من الثورة عليه، سوى تبشيراً لما ستنجر إليه سورية فيما لو استمرت هذه الثورة، وبالفعل كلّ المآلات التي ضختها وسائل إعلامه لتخويف السوريين من المُستقبل القاتم نراه يتحقق اليوم تباعاً، لم يكن هذا النظام من ذوي الوحي وعلم الغيوب بكل ذلك، بل لأنه الخالق والمنتج الأبرز لكل الصور التي غيرت وجه سورية اليوم. انطلاقاً من ترويج أن الثورة هي لم شمل للعصابات التخريبية وأن كلّ الذين ثاروا ما هم إلا خونة وتوابع مرتهنين للخارج، أو أن الإسلاميين المتشددين هم محرّك التظاهرات ضد النظام لتشكيل الإمارات الإسلامية، وتهديد روابط التعايش بين مكونات الشعب السوري، ووضَع أمامنا نماذج كالعراق وأفغانستان. كلّ تلك الصور كان يُبشر بها النظام، و بالفعل استطاع إلى حدّ كبير ضخَّ كل ما بوسعه ليطبع الحال في سورية بهذه التراتبية، لنقف اليوم أمام الثورة، ونجد أن لها وباسمها -أو نتيجة للفوضى المرافقة- تحققت أغلب أقاويل النظام، دون الخوض في يقينية اختراقه لمعارضيه من جهة، ودفعهم للوصول لمبتغاه بتصوير الثورة على أنها إسلامية وموسومة بالإرهاب الذي يروق له، و الفوبيا الأكبر التي تدغدغ مشاعر العالم و تصيبهم بالهلع، ألا وهي الفوبيا من التطرف الإسلاميّ التفخيخيّ وقاطع الرؤوس. ثلاثُ سنوات و نصف بالتمام هي المدة التي احتاجها النظام لبلوغ ذورة طموحه في الحشد عالمياً ضد الإسلاميين التكفيريين، وبالسياق نفسه من وجهة نظره ضد الثورة، لنرى و نسمع اليوم بداية التدخل الدولي من خلال التحالف الذي شكلته الولايات المُتحدة من دول عربية وغربية لضرب تنظيم «الدولة الإسلامية» في سورية والعراق، وبذلك يكون الانتقال لحلقة جديدة من الحالة السورية، وهي ربما الحلقة الأكثر تعقيداً.. لاشكّ أنّ الثلاث سنوات والنصف الماضية أضعفتْ النظام سياسياً وعسكرياً، وانحسرتْ سلطته وتأثيره المباشر في المنطقة إلى حد كبير، ولا شكّ أيضاً أنّ هذا يُعتبر غاية وهدفاً تسعى إليه المنظومة الدولية التي لا تتلاقى مع النظام السوري ولو حتى شكلياً، وبالتالي كلّ ما قامتْ به هذه المنظومة هي إضعاف الأسد إلى الحد المسموح به، وعلى الجانب الآخر تدمير سورية بيد الأسد لا بيد غيره دون أي تدخل مباشر من تلك الدول، واكتفاء العالم ومنظماته، وهيئاته، ومؤسساته أجمعها بالوقوف متفرجين على هذه المقتلة السورية التي كان ضحيتها الأولى و الأخيرة سورية بشعبها وبنتيها التحتية لأجيال. تمدد «تنظيم الدولة» في أرجاء سورية والعراق، ووصلتْ إلى مستوى مقبول من الارهاب الذي سيكون المُبرر الكافي للتدخل العسكري بحجة تهديد المصالح الغربية والتغيير الديموغرافي في المنطقة الذي يسببه الفكر التكفيري على حد قولهم، وكان ذبح الصحفي الأميركي جيمس فولي على يد التنظيم الإشارة الأولى لبدء تشكيل التحالف الدولي، أما النظام السوري فقد برزَ بهيئة المُتوسل هنا وهناك لضمه لهذا التحالف، سعياً منه لتحسين صورته أمام العالم على أنه مُكافح مُرّ للإرهاب، وأنه وقعَ ضحيتهُ خلال السنوات الماضية، وردّدَ جملة في الإعلام تكاد تكون من أسخف ما سمعهُ الشعب السوري تاريخياً و هي أن الضربات التي ستتم في سورية دون الرجوع للنظام والتنسيق معهُ ستعتبر انتهاكاً للسيادة السورية، وكأن كلّ ما فعله النظام وردات فعله خلال الأربعين عاماً الماضية، سواءاً بروده على العدوان الاسرائيلي المُتكرر، أو صيانته لكرامة المواطن السوري داخلياً وخارجياً، ما هي إلا نوع من الحفاظ على السيادة الوطنية!! وبمعنى آخر، النظام يعتبر نفسهُ اليوم أنه المُشرع الوحيد، والوكيل الحصري للعدوان على سورية، واختراق سيادته. من يريد العدوان فليتصل بهِ و يحدد الزمان والمكان المطلوب للعدوان. والمُضحك أيضاً هو التجاوب الأميركي المُسخف لطلب نظام الأسد المشاركة بالتحالف والرافض قطعاً. وحتّى بعد بدء غارات التحالف حاول النظام أن يُروّج خبر إخطاره بالغارات قبل ساعات من تنفيذها، وردّت الخارجية الاميريكية بالنفي. وعلى المقلب الآخر كانت المعارضة السورية المعتدلة منها حسب التوصيف الغربي لها تظن للحظات أن هذا التدخل جاء لإنقاذ الشعب السوري من إجرام نظام الأسد، وأن غالبية أعضاء هذا الحلف هم ما يُعرفون سابقاً بأصدقاء الشعب السوري، لنجد أن ضحايا الغارات الأولى والقصف الصاروخي المُرسل من قوات التحالف كانوا أغلبهم مدنيين في مناطق المعارضة. أما المعارضة السورية التقليدية الممثلة بائتلافها، فقد رحبتْ بهذا التدخل، وتلاقى ترحيبها بالتصريحات الصادرة من دمشق، والتي رحب فيها الأسد أيضاً، بغارات التحالف الدولي. وهذا التلاقي الأول بين المعارضة والسلطة في سورية.
التحالف العسكري المُشكل حديثاً لم ترشح عنه حتى الآن الخطط الواضحة ومدى وآلية التأثير في حل المعضلة السورية، لكن تأتي بعض التصريحات بالقول أن هذا التحالف سيُطبق على الإرهاب في المنطقة أينما وُجد، دون أن يوضح فيما إذا كان الأسد قد وضع على لائحة الأهداف في مرحلة لاحقة. لكن يبقى التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية وحدها وترك الصلب الذي ولدتْ منهُ سيكون بمثابة إطفاء الحرائق بمواد قابلة للاشتعال، وبالتالي المزيد من التطرف سيكون أحد ردود الفعل المستقبلية في المنطقة.
المدة المتوقعة للعمليات العسكرية التي أعلن عنها التحالف قاربت الثلاث سنوات، والتكلفة المبدئية قاربت 10 مليارات دولار سنوياً، وهذا يعني أن المخطط الاقليمي والغربي لسورية لايزال يحتاج المزيد من الوقت، وبالتالي المزيد و المزيد من الدماء و الدمار، و المُلفت للنظر أن كلّ هذه التكلفة و الحشد الضخم عسكرياً للعدوان على سورية، كان الشعب السوري يطلب الجزء اليسير منه من حظر جوي أو مناطق آمنة لا تصلها براميل و صورايخ النظام السوري، كان ذلك قبل ظهور داعش بسنتين، و هو ما أحجمَ عنهُ أصدقاء الشعب السوري والمجتمع الدولي بحجة الفيتو الروسي الصيني، و اليوم تكشّفَ أن هذا الفيتو ما كان إلا شماعة ليُعلق عليها التخاذل الدولي في مساعدة الشعب السوري، و تركه ضحية إرهاب النظام وحزب الله، لأن هذا الإرهاب مُرخص ومُرحب بهِ، ويصل بسورية إلى الدرك الأسفل من الجحيم المرغوب به إقليمياً و دولياً دون تكاليف باهظة. الحل المُفترض أن يكون سوريةً وبين أطراف سورية كان الغائب الوحيد عن كلّ ما حدث، أنصار كلّ طرف واصلوا تبعيتهم لهُ، والطرف الثالث ما بينهما يُكيل له طرفي الموالاة والمعارضة تهم الخيانة و التبعية للطرف الآخر، ولا تلوح في الأفق أية حلول لوقف نزيف الدم السوري، وليس للسوري اليوم سوى الحرمان والتهجير و الموت بأشكاله المتوفرة .




اضف تعليق