هيثم خوري – طبيب و كاتب سوري
أولاً: في تعريف الثقافة، وفي تعريف التعددية الثقافية: هل هناك جماعات ثقافية فعلاً؟
الثقافة هي: المعتقدات، والعادات، والتقاليد، والفنون، والآداب، والعلوم، والمؤسسات، وطرق العيش الاقتصادية والاجتماعية. باختصار هي كل مظاهر العمل والفكر الإنساني، لفرد أو مجموعة من الأفراد في مكان أو زمان معين.
بهذا المعنى فإن المكون الثقافي لكل فرد مختلف عن الآخر، إذ لا يمكن لشخصين أن يتشابها تماماً في كل العوامل التي ذكرتها سابقاً، إذاً لدينا تعددية ثقافية بقدر ما يوجد وما وجد من ناس على وجه الخليقة على مر العصور.
بهذا المعنى فإن الفرد ينتمي لجماعات ثقافية متعددة، فهو ينتمي للجماعة التي يتشابه معها في المعتقد، وتلك التي يتشابه معها في العادات والتقاليد، وتلك التي يتشابه معها في العلوم والآداب والفنون، وتلك التي يتشابه معها في المهنة…. الخ.
إذاً ففي كل مجتمع لدينا مجموعات ثقافية متعددة، وهذه المجموعات تتقاطع وتتفارق، فمثلاً لو أخذنا التجار في دمشق، ستجد أنهم يتشابهون مع تجار حلب في بعض المكونات الثقافية، ولكن سيختلفون عنهم في مكونات أخرى بسبب اختلاف الانتماء الجغرافي. الشئ نفسه ينطبق على تجار دمشق والعمال الدمشقيين فهم سيتشابهون معهم في نقاط بحكم الاشتراك في المنطقة الجغرافية، وسيختلفون عنهم في نقاط أخرى بسبب اختلاف المهنة. الشئ نفسه سينطبق على مجموعتين مختلفتين في المعتقد ولكن تشتركان في التواجد الجغرافي، أو تشتركان في العقيدة ولكن تختلفان في الموقع الجغرافي. حتى في مناطق تشترك في الموقع الجغرافي والعقيدة ستجد اختلافات ثقافية بين قرية وأخرى، وحي وآخر، وحتى بين شخص وآخر.
ولكن يجب أن ننظر إلى هذه الظهورات والتنوعات الثقافية على أنها تجليات وليست جواهر. والحال، إنها تجليات لجوهر واحد، فالناس مهما اختلفت تجلياتهم فإن جوهرهم واحد، هذا الجوهر المكون من عقل وعاطفة وضمير، إنه واحد في كل الناس مهما اختلفت انتماءتهم العقائدية، والمهنية، والتعليمية… وفي كل بقاع الأرض وعلى مر العصور. أعتقد بهذا المعنى فقط يمكننا إدراك العمق الحقيقي لعبارة «التنوع ضمن إطار الوحدة».
المشكلة تكمن عندما نجعل من اختلاف التجليات عائقاً أمام رؤيتنا لوحدة الجوهر. عندها نجعل بيننا بين الآخرين حواجز وهمية، تفقدنا قدرتنا على التفاعل معهم، والاغتناء من خلالهم، الفرح بهم. عندما سنعيش بعزلة عن الآخرين، فيصبحون أسراراً بالنسبة لنا، نخافهم ويخافونا، لأن كل مجهول مخيف، وربما تتحول العزلة والخوف إلى شك وريبة، وحتى إلى خلاف واقتتال.
إنه حالة من حالات العبث أن نجعل بيننا بين الآخرين حواجز وهمية، تفقدنا قدرتنا على التفاعل معهم، والاغتناء من خلالهم، الفرح بهم، إذاً لماذا يفعل الإنسان هذا بنفسه؟! للإجابة على هذا السؤال لا بد من العودة إلى علم النفس بفروعه المختلفة. علم التحليل النفسي يضع السبب الأساسي في «الإحساس بعدم الأمان» (insecurity)، وهذا الإحساس لا ينبع من تهديد خارجي، وإنما هو حالة لاواعية تسيطر على كل مكونات النفس الأخرى. علم النفس الاجتماعي يتفق مع التحليل النفسي في هذا، ولكنه يعلل منشأ الإحساس بعدم الأمان بتعرض الإنسان المزمن لظروف اقتصادية واجتماعية (وسياسية، طبعاً) غير مستقرة، زرعت فيه هذا الإحساس بعدم الأمان. أما المدرسة المعرفية في علم النفس فتعزوها لجهل الإنسان بوحدة الجوهر الانساني. وأخيراً فإن المدرسة السلوكية، فإنها تقول أن هذه المشاعر وهذا السلوك متوارثة، وكل جيل يتعلمها من الجيل الذي سبقه. والحال أن كل هذه التفاسير صحيحة، ومنشأ هذه العبثية هو متعدد الجوانب.
ثانياً: من وجهة نظرك ما هو مفهوم العيش المشترك، هل تصحّ التسمية؟ (على اعتبار أنّ العيش المشترك يُشير إلى أنّ هناك جماعات متناقضة ينبغي أن تتعايش مع بعضها).
حقيقة في اللغة العربية، هناك فرق في المعنى بين كلمتي «عَيش» و «تعايش»، فإذا كانت كلمة عَيش كلمةً حيادية لا تخفي في طياتها أي معنى غير ظاهر. على النقيض، فإن كلمة تعايش تعني أن هناك أكثر من طرف على تباين يقومون بجهد إيجابي من أجل العيش المشترك، وبالتالي فإن سؤالك حقيقة هو حول «التعايش المشترك».
عندما كتب جون لوك (John Locke) كتابه (On toleration) عام 1689 ، كانت أوروبا الغربية بأكملها ترزح تحت نير تعصب طائفي عنيف، لم يجد جون لوك أفضل من كلمة (Toleration) ليعنون بها كتابه، وهذه الكلمة تعني في العربية «تحمل» أو «تقبل» والتي هي أكثر سلبية بقليل من «تعايش». لماذا استخدم لوك هذه الكلمة؟ هل كان لا يدرك وحدة الجوهر البشري، وأن الانسان خُلق ليتفاعل مع الآخرين بفرح، وليغتني روحياً من خلالهم؟ أبداً، هذه كانت عقيدته. ولكنه أدرك أن الجموع المفعمة بالانفعال لا يمكنها أن ترى ذلك، لذلك هو طلب منها ضبط سلوكها وانفعالاتها الهدامة. فولتير جاء بعده بعدة قرون فأطلق في وجه الطائفية صيحته المشهورة «اسحقوا العار» (Écrasez l›Infâme)، لأنه أدرك صعوبة التخلص من هذا المرض الوبال.
إذاً لنقل أن مجرد رفض الآخر لأنه مختلف عني، مهما كان هذا الاختلاف، هو مرض خبيث. إنني كطبيب مختص في أمراض الدم، عندما أعالج الأمراض السرطانية الخبيثة، أستخدم تارة العلاج المسكن، وتارة العلاج الكيماوي، وأحياناً كليهما. لهذا حقيقة لا يهمني كثيراً إذا دعا البعض في علاجه لرفض الآخر المختلف إلى تقبل هذا الآخر، أو دعا إلى «سحق العار»، المهم الوصول إلى النتيجة الفضلى. والحال أننا سنجد في مجتمع متنوع كالمجتمع السوري أن البعض سيستجيب إلى الدعوة إلى «تقبل الآخر»، والبعض الآخر سيستجيب إلى «سحق العار»، على أمل أن تكون هذه الدعوات ليست إلا مراحل للوصول إلى المرحلة التي يصبح الآخر المختلف مصدر اغتناء وفرح داخليين.
ثالثاً: كيف يمكن للدولة- الأمة أن تتعامل مع تحدي التنوع الثقافي بين مكوناتها.
ورابعاً: عطفاً على المحور السابق، هل الشكل الراهن للدولة القومية ما زال صالحاً لحلّ مشاكل الاندماج والاختلاف بين مكونات المجتمع السوري؟
في العالم المتقدم، لم يعد مفهوم الدولة-الأمة قوياً كما كان في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لم يعد صهر الجميع في ثقافة واحدة ضرورة لكي نشترك في وطن واحد، قبول التنوع الثقافي، لا بل الافتخار بهذا التنوع الثقافي أصبح هو السائد.
هناك دول كثيرة أصبحت تفتخر بأنها متعددة القوميات، ومنها الولايات المتحدة وكندا، حتى الدول التي كان لها باع طويل في تغذية مفهوم الأمة-الدولة أصبحت تفتخر بتعدد ثقافات مواطنيها. بالمناسبة مونتسيكيو اعتبر ذلك شرطاً من شروط الديمقراطية الحقيقية.
=================
١- اختار الدكتور هيثم خوري الإجابة على محاور الملف بشكل منفصل.




اضف تعليق