محمد الجرف – مركز المواطنة المتساوية (مساواة)
في ليلة شتوية باردة من ليالي كانون الأول الماضي، استغل أحد الأصدقاء سفر زوجته، وقام بدعوتنا إلى سهرةٍ «سلمونية»(١) في منزله. وسهرة «سلمونية» تعني: أن نجتمع ذكوراً فقط، وأن نُفرط في المشروب، وأن نبتعد عن ترف السُكْر في السهرات. بمعنى ما: هي سهرة بلشفية بامتياز!
كان صديقنا حريصاً على إضفاء نوع من التوازن على الجلسة، فكنّا عشرين شاباً، عشرة معارضين للنظام السوري، وعشرة معارضين للثورة عليه، وطبعاً لم يعُد مقصد صديقنا خافياً: تعالوا كسلامنة لنناقش ما يحدث في سورية، لنرَ بماذا، ولماذا نختلف.
كان الهدف الأساسي الذي يدور في ذهن صديقنا هو الإجابة عن سؤال مُقلق: لماذا يختلف مجموعة من الشباب المهتم بالشأن العام لحدّ ما -المنتمين لمنطقة واحدة، والمتشابهين في ثقافتهم وفي خلفياتهم لدرجة كبيرة- في الموقف من حدثٍ متشابك بحجم الحدث السوري.
مالذي اقترفناه نحن في هذه الجلسة؟
نحن أعلنا، وبوضوح، بأننا ننتمي إلى هوية ثقافية واحدة ومحددة، لدينا حس الانتماء المشترك، إذ نعتقد جميعنا بتماثلنا في الأصول والمعتقدات والموروث الثقافي من عادات وتقاليد، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، أبعدنا كلّ من لا ينتمي إلينا عن هذه السهرة الجميلة، عن سهرتـ «ـنا»، أَقْصينا من اعتقدنا أن هويته الثقافية لا تسمح له بالسهر معنا.
هذان الفعلان: التضامن من جانب، والإقصاء من جانب آخر. هما الوظيفتان الأهم لأي هوية ثقافية، وهو ما يُطلق عليهما «ويل كيملكا» تسمية التعددية الثقافية. وللتذكير، فإن فكرة التعددية الثقافية انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية بدايةً، في الستينيات، ضمن حملات المطالبة بإنهاء التمييز العنصري ضد السود، وأصبحت فكرة سياسية ناشطة ضد التمييز العنصري مع تصاعد النضال من أجل الحق في الاختلاف عن الآخر، وحق المساواة في الحقوق المدنية بين جميع الفئات المهمشة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. وطبعاً، تختلف تعريفات التعددية الثقافية، وهي في المجال السياسي مصطلح يُستعمل للدلالة على جماعات متميزة عن بعضها، وتعيش مع بعضها في منطقة جغرافية محددة، وميزاتها هذه تُشكل بالنسبة لها الخزان السياسي، وأساس تلاحمها. وتقوم القيادة السياسية لكل جماعة بالتأكيد مراراً وتكراراً على أنّ هذه الصفات، والقيم، والمعتقدات المشتركة داخل كل جماعة، تُشكل مصدر الفخر والاعتزاز لأعضائها(2).
طبعاً، لا يمكن إنكار اختلاف الجماعات البشرية عن بعضها ثقافياً، وهذا الاختلاف ناتج عن فرادة كلّ جماعة، وخصوصية مسارها التاريخي، وأطوار تشكلها، ولذا فإن التعددية الثقافية لا يجب أن تحمل حكم قيمة، لا يمكن القول إن هذه الجماعة «أكثر» قيمية من جماعة أخرى، لاختلاف مطبخها مثلاً.
وطالما أن عملية الاعتراف هذه لا تولّد عنفاً، ولا تحمل تأثيرات عنفية في طياتها، فإنّ تركها للقوانين كي تعالجها أمرٌ ممكن في ظلّ دولة قوية. ولكن سورية تُعاني من ظاهرة «الانبعاث الهوياتي» وهي معاناة، لا لأن هذا الانبعاث يُشكّل بحدّ ذاته علّة، بل لأن طرح هذه الإشكالية، وإدارتها يتم التعامل معهما بخصوصية كبيرة، وبإقصائية قاتلة تُهدد وجود الكيان السوري برمته. خصوصاً، وأنّ هذه الظاهرة لم تكن لتحدث لولا انهيار الدولة كمفهوم في أذهان السوريين. مع العلم أن الخلاف الأساسي بين الكيانات «المُسْتَعمرة»، وسورية مثالاً جيداً بالطبع، وبين الدول الغربية، هو أن الأولى واجهتها قضية الأقليات قبل ترسيخ الدولة، وبناء المجتمع، وتحقيق تنميتها الاقتصادية، أي قبل أن تتم عمليتها النهضوية. فيما عاشت الدول «المُسْتعمِرة» مراحل متعاقبة ومتوالية من الديمقراطية والازدهار الاقتصادي(3).
حديثاً، ترتبط الدعوة إلى التعددية الثقافية بالدعوة إلى «دولة المواطنة مُتعددة الثقافات»، من كونها دعوة لإزالة وضعية الأقلية- الأكثرية التي أوجدتها وضعية عملية بناء الدولة- الأمة (وهي عملية خديجة في بلدان مشرقنا)، لتقوم مقامها وضعية المواطنة متعددة الثقافات، إذ يعتقد مؤيدو التعددية الثقافية أنها بهكذا وضعية تعمل على تقوية أواصر المجتمع، وتنشر روح التسامح بعرض صور وأنماط الحياة المختلفة لكل المواطنين مهما كانت أصولهم، فالتنوع الثقافي الخلاق يثري الحياة الإنسانية ويمد المجتمعات المختلفة بالحيوية، بما يعني حقوق كل جماعة ثقافية في التعبير الثقافي عن نفسها، في حدود حق المواطنة المكفول للجميع . غير أن ذلك الوضع يثير إشكالية مهمة بالنسبة لمعارضي التعددية الثقافية، فتعدد الجماعات في المجتمع قد يفرض مطالب متناقضة في الحياة السياسية خصوصاً في المجتمعات المتعددة الثقافات، وهم يستشهدون بأمثلة عديدة عن المشاكل المستعصية التي تطرحها التعددية الثقافية، ففي بريطانيا مثلاً أشار تقرير اُجري في أعقاب أحداث الشغب التي وقعت في البلاد في عام 2001 إلى هذه القضية. وحذر التقرير من أن الجاليات المختلفة في بريطانيا تعيش حياة متوازية لا تتميز بالاختلاط الحقيقي، وطالب التقرير بإدخال تعديلات كبيرة على سياسات الدولة في هذا المجال. ويرى منتقدو التعددية الثقافية أن هذه السياسة تصنف الناس بحسب لونهم وأصولهم التي ينحدرون منها مما يكرس معاملتهم بأسلوب مختلف. وهذه الإشكاليات وُجدت في الغرب الليبرالي الديمقراطي، المنجز لدولته، فما بالك في مجتمعات كمجتمعنا، يُعاني من تدهور على معظم الأصعدة، خصوصاً هشاشة ثقافته السياسية وضعف التشاركية بين مكونات المجتمع، وبين المجتمع ودولته. فكيف يمكن لهذه المجتمعات أن تعمل؟
الجواب، هو في صياغة عقد اجتماعي مقبول، يعمل بكفاءة، ويستند إلي قاعدة من القيم المشتركة التي تتقيد بها كل الجماعات المؤسسة له –لا الجماعات المنتصرة فقط، وفي سورية، يمكن اعتبار الجميع هنوداً حُمر، بمعنى أن الجميع سكاناً أصليين- رغم الهويات المركبة، ورغم الآراء مختلفة بشأن القيم المشتركة وأولوياتها.
يقول المنصف المرزوقي: نحن بحاجة إلى تعليم الشباب الاعتزاز بالهويات المركبة والمتعددة.
حفلت سهرتنا تلك، بالنقاشات الحامية، والحميمية أيضاً، اختلفنا كثيراً، وشربنا كثيراً. واتفقنا على تكرار اللقاء بدورية، لكننا لم نفعل.
—————————–
1- سهرة سلمونية: نسبة إلى مدينة «سَلَمْية»، وهي مدينة تقع في وسط سورية، وتتبع إدارياً لمدينة حماة.
2- د. مجيد، حسام الدين: إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر «جدلية الاندماج والتنوع»- مركز دراسات الوحدة العربية- سلسلة أطروحات الدكتوراه- الطبعة الأولى- بيروت 2010- ص 14.
3- د.عبد الباقي، صابر أحمد: المواطنة في إطار التعددية الثقافية- على الرابط http://kenanaonline.com/users/drsaber/posts/80371




اضف تعليق