رياض درار – معارض وباحث اسلامي
عندما نتحدث عن مشروع ثقافي لإدارة التنوع وتوثيق العيش المشترك نسمع شعارات ونداءات تشبه الأمنيات ليس فيها من المشروع إلا الاسم. يقولون: «كم نتمنى على المثقفين أن يبدعوا طرقاً وأساليب ومنهجيات في بناء استراتيجيات ثقافية وطنية تحافظ على وحدة الوطن وتسقط المشروع الطائفي».
ويقولون: «حري بالمثقفين السوريين الأحرار اليوم أن يقاتلوا على جبهتهم الخاصة وينتصروا للتسامح وبناء الروح الوطنية، والإحساس بالانتماء لا بالطائفية والمذهبية، عليهم اليوم أن يعلموا الناس أن الناس تحكمهم مصالحهم ومواقعهم الاجتماعية لا طوائفهم ومذاهبهم، أن يعلموا الناس أن جغرافية الثورة هي جغرافية الوطن وليس جغرافية الطوائف والمذاهب، وأن الطائفية دمار للوطن».
ويقولون: «وحري بنا نحن المفكرين والمثقفين أن نحارب المشروع الطائفي، والحرب تكون بالثقافة، والكلمة والفكر، والعمل في مختلف المستويات والاتجاهات من أجل الانتصار للثورة والحرية والكرامة في بلادنا».
ليس استسهالاً بالموضوع، لكن الجيل الذي ننتمي إليه لم يكن إلاّ باحثاً عن نموذج يُغذي الوحدة الوطنية، ويُنمّي المشاعر القومية. ولم تخلُ مناهجنا من هكذا شعارات، وكلمات معبأة بالحشد العاطفي، والروايات التي تختزن هذا البعد الوطني الجياش، والتي تبدت في شعارات الأحزاب، وقوافي الشعراء، وسجع كهان الأدباء والمثقفين، فهل كان مخزون من النفاق يختفي وراء ذلك، أم أن استدراجاً مقصوداً أخفى كل هذا الحقد الطائفي الذي برز مكشراً عن أنياب الطائفية سوداء بغيضة؟
هذا المخزون النفاقي دفع ممدوح عدوان إلى كشفه ووصفه حيث يقول: «مشكلة المشكلات أن هذا كله يتم تحت شعارات براقة من اﻹخاء، والتكاتف اﻹجتماعي، والتعايش بين فئات تخفي كل منها الكراهية العمياء للفئات اﻷخرى، و تتحيَّن كل منها الفرص للانقضاض على الفئة اﻷخرى والفتك بها. إنها التقية العامة، والباطنية الخاصة بالمجتمعات المقموعة والمهزومة في آن … وازدواجية مريعة بين الظاهر والباطن، الجميع يقولون الكلام الجميل الذي يتضمن المجاملة، والتضامن، والتعايش اﻷخوي، والجميع يخفون اﻷحقاد المبطنة والنيات المبيتة».
التعددية الثقافية والتنوع والعيش المشترك تعد في عمقها تجربة حياة، وتجربة عيش في كنف مجتمع أقل انعزالية وضيقا في الأفق، وأكثر حيوية وتنوعاً، ولو كان أقل تجانساً، لكن ما يبرز وجوه الصراع الخفية هو القمع والهزيمة، وبالتالي فإن تجاوز هذا المأزق التاريخي يكون باستيعاب متطلبات الحداثة وقيمها المعاصرة، وهذا يتطلب مزيداً من الحديث في شكل الدولة، ودورها، وأدائها.
التعددية الإثنوـ ثقافية تعد تاريخياً مكوناً أساسياً في بنية مختلف المجتمعات الإنسانية، فهي تمتد بعيداً في التاريخ الإنساني، فهي ليست خاصة بالمجتمعات الحديثة، غير أن الجديد في الأمر أن الدولة المعاصرة أمست مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، أن تأخذ بعين الاعتبار هذه التعددية التي تميز مجتمعها في إطار سياسة الاعتراف المتبادل لمكونات المجتمع؛ من أجل إرساء شكل للاندماج السياسي والاجتماعي بشكل يختلف عن النموذج الذي أرسيت على أساسه الدول القائمة على العصبية، دينية أم قومية، ودول الإرث القبلية، والجمهوريات الملكية.
فإذا كانت الدولة واحدة، والواقع المجتمعي متنوعاً ثقافياً، فهل من الواجب جعل هذا الواقع انعكاساً لوحدة الدولة، أم جعل الدولة انعكاساً لهذا التنوع؟ هل يتعين إخضاع التعددية الثقافية والتنوع المجتمعي إلى منطق أحادية الدولة الصارم، وذلك بغية الحفاظ على استمرارية تماسك الدولة والحؤول دون انقسامها وتصدعها؟ أم أن هذه الاستمرارية وهذا التماسك يتعين أن يتحقق من خلال الاعتراف بواقع التعددية ضمن الوحدة وبما يعززها؟ كيف يمكن المواءمة بين ضرورة الوحدة السياسية والتضامن المجتمعي من جهة، وأهمية التنوع الثقافي من جهة أخرى؟
هذا يدعو إلى صياغة نظرية معاصرة تنتهج نهجاً وسطاً للتوفيق بين كلا الاتجاهين، من منطلق أن وحدة الدولة لا تقتضي أُحادية ثقافة المجتمع، وأن التنوع الثقافي لا يفضي بالضرورة إلى تشظية الدولة وانقسامها.
إن الدولة، وهي كائن سياسي حيادي وظيفي، يجب ترفُّعها فوق جميع الأديان والأعراق والطوائف والمذاهب والطبقات، فهي كائن بلا هوية ايديولوجية أو عرقية أو مذهبية. إن توصيفها يحمل النفي لمن لا يحمل الصفة، فكل منفي من صفة الدولة سيصبح خارج إطار الدولة، وبالتالى سيُنفى عن المواطنة كل من لا يحمل الصفة، ذلك أن مبدأ التعددية لا يتحقق إلا من خلال الإيمان بوجود العديد من طرق الحياة المتنوعة التي تسمح لنا بأن نعيش حياة كريمة. ومن خلال الاختيار الحر لنمط الحياة الإنسانية الذي يناسبنا. علماً أن التعددية والتنوع إنما يكونان في إطار الوحدة الجامعة والروابط المشتركة، فالشرائع المتعددة، على سبيل المثال، لا تتأتى تعدديتها إلا في إطار الدين الواحد، والحضارات المتعددة لا تتأتى تعدديتها إلا في إطار المشترك الإنساني العام. وبذلك، فإن التعددية هي تنوع قائم على تميز وخصوصية، فهي لا يمكن أن توجد إلا بالمقارنة بالوحدة وضمن إطارها، فلا يمكن إطلاق التعددية على التشرذم والقطيعة التي لا جامع لآحادها، ولا على الأحادية التي لا أجزاء لها.
إن طبيعة الدولة بشكل عام تعني بنيتها السياسية والتنظيمية والدستورية، وبالتالي كيفية إنتاج سلطتها السياسية وتبديلها أو توارثها، وكيفية ممارسة وظائفها العامة في الحرب والسلام، والسياسة والسيادة، والحقوق، وعلاقات الدول.. إلخ. وهذه الجوانب جميعاً تُحدد طبيعة الدولة ومكانها من الكل الاجتماعي الذي يحمي طموحاته وحرياته ويستجيب لدواعي تطوره، وهذه الصورة لطبيعة الدولة «حظيت بأقل اهتمام وسط موروثنا السياسي والثقافي، وهذا ما أكده دعاة التنوير والإصلاح الديني والسياسي من كافة الاتجاهات، وربما تزامن هذا الإغفال أو جاء متذرعاً بظروف الكفاح السياسي والانشغال بهوية الأمة وعقيدتها عن طبيعة الدولة وقواعدها، وكل هذا لا يجرد موروثنا الديني والفلسفي والأخلاقي من خزان عامر بالقيم الإيجابية، كالعدالة، والإنصاف، والمساواة، والحرية وغيره، إضافةً لصفحات غنية في بحث شروط الحاكم العادل، بل هو لم يخلُ من حكام صالحين جسدوا هذه القيم بأشخاصهم على أرفع المستويات، غير أن هذه الظاهرة ظلت محصورة في شخص أصحابها وليس في طبيعة الدولة نفسها التي افتقرت غالباً لقواعد الإصلاح والصلاح، كما أن هذه الصفحات المضيئة تخص موروثنا الديني والفلسفي والأخلاقي، والذي نميزه عن الموروث السياسي والثقافي لأنه يقع على نقيضه ويشكل وضعاً تاريخياً بسط سلطته وديمومته على امتداد القرون والساحات العربية».
ومع هذا فليست هذه طبيعة الدولة التي نرجو قيامها، ونأمل منها استيعاب هذا التنوع
الإثني ـ ثقافي. الدولة المدنية التي تحفظ حق المواطنة كقيمة إنسانية عليا، تجسد معنى خلافة الإنسان على الأرض وبما تستهدفه من انتماء ومسؤولية وتسامح وعقلانية ومساواة، وهي قيمة ترفع من مكانة الفرد من كونه رعية إلى مسؤول عن حرية وتعليم وانتماء وحقوق. «من هذا المنطلق يتوجب القول : إن الدولة الصالحة بطبيعتها هي دولة مدنية، وعمل من أعمال التاريخ والتطور الاجتماعي والسياسي والحقوقي والثقافي، الذي لم ننجزه بعد»، وهذا لا يعيب النص الديني «فالنص الديني لم يحدد طبيعة الدولة، بل جعلها مرهونة بتطور المجتمع واتساع وعيه ومسؤوليته عن إدارة شؤون حياته بأفضل سبل الحكم التي تصون قيم الحق والحرية والعدالة والمساواة».
التعدد الثقافي كان يراد له أن يختصر في مفهوم المواطنة التي تعني التمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات في إطار الدولة القومية، لكن بروز التكتلات السياسية الإقليمية الكبيرة، وتنامي النزاعات العرقية والدينية، يمكنها أن تدفع للسؤال عن مصير المواطنة. وأيضاً مع انبثاق أوعودة حلم الفلاسفة والمفكرين للدولة العالمية، يمكن السؤال عن صفة المواطن العالمي كيف ستكون؟ وبدون ذلك كيف يمكن أن تعالج مسألة التعدد مع تزايد الحديث عن حقوق الإنسان، وعن الديمقراطية، والمواطنة المتساوية؟
وفي بلادنا صعود الإسلام السياسي صار عقبة أمام التنوع، ومسألة العيش المشترك حيث الفقهيات التي تسم المختلف بالردة والكفر، والآخر بالذمي أو المحالف والموالي، وصعود قضايا تهدد الوطنية، كبروز الطائفية والصراع بين المذاهب، والأقليات والإثنيات، وبالتالي استمرار النظرة الشمولية في الحكم والسيطرة وإدارة الموارد. وهو ما يتعارض كلياً مع التصور الإسلامي لحقيقة الوجود الإنساني، وحقيقة العمران الإسلامي القائم على منظومة قيم الحرية، والمساواة، والعدالة، والغيرية، والتسامح، والفاعلية التاريخية، والاجتهاد والاستخلاف. وهي المنظومة التي تتحدد بمقتضاها قيمة الإنسان في الدارين مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للاِنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى﴾، وقوله عز من قائل: ﴿إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. وهو ما يختلف مع التجربة التاريخية العربية الإسلامية، حيث نجد تراثاً مهما من الأدبيات المحتفية بالتعددية الحضارية بمللها ونحلها، بشعوبها وقبائلها، بعشائرها وطوائفها. فمثلما تنشأ الحقوق الفردية من سعي كل إنسان لتعزيز حريته الشخصية، فإن الحقوق الجماعية تنبع بدورها استجابة لمصلحة كل جماعة في المحافظة على استمراريتها. الأمر الذي يعني تحقيق التوازن بين أهمية الفرد وأهمية الجماعة، أي التوازن بين الحرية الفردية والانتماء الثقافي، انطلاقاً من حقيقة أن المجتمع مكون أصلاً من أفراد وجماعات ثقافية لا من أفراد وحسب. وهو ما ينسجم مع التصور الإسلامي للعلاقة بين الفردي والجماعي، بين الخاص والعام.
ولقد لعب الغرب، الذي بلور مفهوم المواطنة وتقدم من خلال النموذج الديمقراطي في الإدارة، دوراً بين الإغراء والخشية، فبعد الامتداد عبر اختراق البنيات الثقافية للدول بالفنون والصناعات والاستهلاك، فقد قاد الاستعمار، والخشية من نتائجه، للدفاع عن الذات والتحصن وراء الهوية. وهذا فاقم من السيطرة الداخلية على الحريات واستلاب الحقوق، وحتى إلى التعصب. إلا أن التحرر من الاستعمار ألهم النضال من أجل إلغاء التفرقة العنصرية، مثلما أن إلغاء التفرقة العنصرية ألهم النضال من أجل حقوق الجماعات الفرعية والتعددية الثقافية.
وفي هذا الإطار تمت الدعوة في الفكر العربي والإسلامي المعاصر إلى شرعية الاختلاف «كأساس لتعدّدية لا تعني الشتات والتشتّت، ولا دعوة إلى طائفية أو قبلية، وإنما هي نظام لمجتمع مدنيّ متعدّد العناصر والمصالح، تتعاقد حول مؤسّسات بناء على وفاق عامّ متجدّد بالوسائل الديمقراطية»، من منطلق أن الديمقراطية تعد بمثابة «نظام مؤسّسيّ لإدارة تعدّدية المجتمع المدنيّ»، حيث مملكة الحرية للجميع فكراً وتنظيماً.
وبالمجتمع المدني يمكن تَشكَل كل القوى وتحت أي اسم ديني أوعقدي وايديولوجي أو مذهبي، حيث كل الحريات موجودة، والدولة تمارس دورها الوظيفي بحيادية وكحكم بين الجميع، والمجتمع المدني ميدان الديمقراطية والحريات، والدولة تكثيف لفكرة القانون، والقانون مركزي يطبق على جميع المواطنين دون النظر إلى الاختلاف. وباستقلالية المجتمع المدني وحيادية الدولة يمكن البدء بالسير على طريق إدارة التنوع وتوثيق العيش المشترك، والخلاص من إرث الاستبداد بكافة صوره.





اضف تعليق