أحمد الشمام – كاتب وباحث سوري
اشتُقّ مفهوم الثقافة في العربية من المثقف، وهو الرمح الذي شُذّب وأزيلت زوائده. وبالرغم من دلالاتها العميقة، لكنه مفهوم لم يظهر في حيز الوعي الفكري العربي إلاّ في العصر الحديث -القرن الماضي خصوصاً- وقد حفلت ترجمة culture من اللغات الأوربية بكثير من المعاني، فهي المشتقة من الزراعة والتنمية، ولعل الألمانية أضمرت بين دلالاتها على رعاية النمو الطبيعي، ممّا يدلّ على دور المجتمع، أو الدولة، أو قطب معين على تولّي هذه المهمة التي تشمل التعليم، الذي يتولّى تنمية القدرات (الذهنية والنفسية)والخلقية كما يقول الانكليزي ماثيو أرنولد في كتابه «الثقافة والفوضى». ومن ثمّ اكتساب الوعي الاجتماعي «الراقي» والحضاري على حد تعبير الكاتب محمد عناني، والذي غالباً مانصفه بالوعي الحضاري، ورغم تداخل الثقافي بالحضاري، فهناك من يفرق بينهما بأن الثقافي يقتصر على المجردات والصفات الإنسانية، بينما الحضاري يشتمل على المادية وصفات الجماد.
وقد اعتمد تعريف الثقافة على وظيفتها وسيرورة تطور هذه الوظيفة الحركية، وهدفها. ولابدّ من ملاحظة أنّ الصفات الحضارية المادية ووعيها من قبل مجموعة، يربطها جملة هذه المواد والمعطيات الحضارية، قد أدّت لنشوء حالة تواشج وتمايز لدى شريحة أو فئة اجتماعية (عرق، أو طائفة، أو مذهب)، زيادةً على عامل أساسيّ، وهو ترابطها الذي قد يكون لعوامل ثقافية معنوية، نفسية وفكرية، ومذهب فكري ضمن أطر الفكر الديني الذي تطور وتمايز لينتج طوائف ضمن الإسلام بعيد الاختلافات الفقهية، ثم دخول الفلسفات المانوية والزردشتية من خلال نشاط حركة الترجمة في العصر العباسي، والاجتهاد والخلاف والشطحات الصوفية، وما إلى ذلك.
ومقولة تحدّي الثقافات في مجتمع ما تبدو مُفترضة وغير موجودة، لأنّ الثقافات، عالمياً ومحلياً، تتلاقح وتتنافس في تعبيراتها وتفسيراتها بين الجماعات أكثر من تناحرها، وما التحدّي إلاّ انعكاسٌ لاختلافات أيديولوجية وليس ثقافية.
يقول إدوار سعيد: «الثقافات بالغة التداخل، ومضمون كل منها وتاريخه يتفاعلان تفاعلاً بالغاً مع غيرهما، إلى درجة ينتفي فيها النقاء العنصري لثقافة ما، ويستعصى معها إجراء جراحات فصل بعضها عن بعض، التي هي جراحات إيديولوجية في الغالب، مثل جراحة فصل مفهوم الغرب عن الشرق». ومفهوم ثقافة أو ثقافات في مجتمع ما -وهو جزء من محور نقاشنا- بعيدٌ عن الثقافة بمعناها المطلق والعالمي، والتي تُعني بتعريف المثقف. وليس من حاجة للإشارة إلى غرامشي في تعريفه للمثقف العضوي وهو «الذي يخدم في طروحه فئة، أو طبقة، أو جماعة اجتماعية أوحتى حزبية».
ليس من تحدّ بين الثقافات، لأننا علينا أن نتذكر أن تعريف الثقافة يضم بين ثناياه وظيفته وحركيته من حيث أنها مادة تاريخية، معنوية أو مادية، لها قيمتها الراكدة في كتب التاريخ أو رقيمات الأرض لحضارة ما، يتم الاشتغال عليها لوضع جماعة ما، ضمن إطار من التعامل والتواشج والقيم الناضحة بها، وبين غايات ذلك، وأطر النزوع لهذا العمل. فمن حيث هي -العوامل المادية التي تبعث على نشوء ثقافة خاصة بجماعة اجتماعية- مادة تاريخية قديمة ساكنة، تفيد في الإغناء والاحتفاء بها، وبث القيم التي تُستنبط منها للجميع، وتدعو لاحترام الآخرين من قبل الغير لوضعها محل التقدير. فتكون مصدر إغناءٍ وإثراء للمجتمع والدولة. أمّا من حيث شكل هذا النزوع في بثها -من حيث هي دعوة للتموضع الاجتماعي، والاصطفاف السياسي، والمحاصصة- فإنها تغدو تحدياً اجتماعياً يضرب بنية الدولة، خصوصاً في غياب ثقافة المواطنة، ومفهوم الدولة الحديثة، وروح الديمقراطية.
فعندما يكون الوعي بالوطنية منجزاً، والوعي الديمقراطي موجوداً، لايعود أي نشاط لثقافة ما مريباً ولا داعياً لأي تفريط بعقد الدولة الاجتماعي، لأن شكل الدولة وثقافة الجميع تحميه، ولا أعداء من الخارج يتربصون بهذه الدولة ويدفعون أقلية ما لفعل ما يثير الريبة تحت أي مسمى مشروع. إذ لايمكن لمجتمع لم يُطور مفهوم الوطنية، ويُرسخ قيم التلاحم في إطار وطن مشترك يضبط فقه الاختلاف وقيَمَه في نزوعات أفراده وجماعاته وفئاته، أن ينجز الديمقراطية.
وبينما كان شائعاً في الغرب ثقافة طبقة، ثم تم تجاوزها لثقافة جماهيرية، ثم خرج من يطالب بعودة ثقافة الطبقات. كان يمكن في مشرقنا لثقافة الطبقة، وأعني هنا الوسطى التي يمكن أن تكون حاملاً اجتماعياً لأي فكرة أو مبدأ، نشأت الثقافة الفئوية والجهوية التي بدلاً من عكوفها على التعريف بجملة الخصائص المميزة لفئة اجتماعية وبعض رموزها التاريخية القديمة وقيمها المنبثقة منها، تحولت لثقافة تربّص وعمل حزبي، فنشأ فكر أقلوي بتوجيه من الأنظمة، وتحريض مباشر وغير مباشر، لتفتيت الحامل الاجتماعي للتغيير، وذلك من خلال إعادة المجتمع لما يمكن تسميته مرجعيات ماقبل تاريخية، فئوية وعشائرية، ومن ثمّ طائفية. وفي مستويات أكبر من خلال تشجيع عامل الخوف لدى الفرد، ممّا يدفعه للبحث عن جماعته لتحميه، الأمر الذي يعني انضواءه تحت وصاية العشيرة والطائفة والعرق، مما يعني انجرار النخب الاقتصادية والسياسية والثقافية لهذا التموضع، ووضع الشعب في الدولة ضمن اصطفافات جديدة. بينما لم يكن ذلك موجوداً في بدايات القرن العشرين، رغم استفحال ثقافة الغزو عند القبائل والفئات الاجتماعية بشكل واضح لحداثة مفهوم الدولة، فما كان هناك اقتتال بين مذهبين، ولا دينين، ولا إثنيتين. ولكن بعد قفزة العسكر للسلطة، في فترة حركة التحرر، ثبّت أولئك حكمهم باللعب على ذلك.
ففي مستوى التعامل الاجتماعي بين المكونات في المجتمع المشرقي عموماً، والسوري خصوصاً، كان الراسخ والواضح هو حالات التواصل والتواشج بين مختلف المكونات دون أية إشكالات، وغالباً ماتعارف الناس على طرق لحل مشاكلهم بين مكونين مختلفين مذهبياً أو إثنياً، بعيداً عن قوة القانون بل كان العرف يَجمع ولا يُفرّق، ويحترم حقوق العيش المشترك بشكل مسلّم به.
لم تكن ثقافة السريان ذوي الأصل القديم، والآشوريين، أقلّ احتراماً من ثقافة الأرمن الوافدين لسورية. وشعور العشائر العربية تجاه الكرد القادمين من تركيا إثر ثورة الشيخ سعيد في عشرينيات القرن الماضي تيمناً بكرد قديمين وُجدوا بعدد أقل بينهم لم تشبه شائبة حينذاك ولم يصبهم حيف ولا ظلم.
لكن الأنظمة الشمولية، وفي سورية نظام الأقلية الذي راهن على خوف الأقليات وأحزابها، أو تخويفها بعيداً عن ظلمه لقواعدها، مما حرف نشاط ثقافة أقلية ما ليغدو أيديولوجياً وسياسياً بعيداً عن تواشج القواعد الشعبية للأقلية الإثنية والدينية مع جوارها.
ولايمكننا استبعاد العامل الدولي، ومصالح الدول تجاه الشرق العربي المبتلى بكونه ساحة صراع اقتضت حرف َ الكثير من معاني القيم المأمولة، واشتغالاً عليها بطريقة وصائية، ولغايات غير نبيلة. فبالرغم من المعطى الثقافي الغربي الإنساني، لكن تسَّرب هذه القيم الغربية التي نحتاجها كان عبر أنظمتها في الوقت، الذي يطلق فيه الغرب مفهوم العولمة والقرية العالمية، يتبنّى تفتيت المفتت تحت مسميات رنانة، شنجت أطرافاً بدفعها أطرافاً أخرى للتشبث بها، لتحصل حقوق أصيلة ضمن بلاد يحكمها طغاة وجبابرة. ممّا يعني نقل مجتمع متعاون إلى حالة تمايز، ثم تناحر، ومن أنواع تثري إلى فئات تتناحر.
أدت خطط الغرب إلى الدخول باسم منظمات حقوقية استغلها ساسة ظلموا فئاتهم وشرائحهم بحراك سياسي، ولعله من قبيل الواجب التذكير بأن عربينا لايكره الكردي، ولا الكردي يكره العربي، ولكن كثيراً ما تظهر مواقف من كل طرف تُصرّح بكره الآخر له، ولابد من تعرية هذا الشعور والقرب منه لنجد أن الكره الظاهر المعمم هنا، ليست لشخصه ولا أصله، بل إن العربي كره القومية الكردية كحراك سياسي وفعل سياسي، لا كأصل حضاري وتاريخي نشأ منه الكرد. وكذلك الكردي كره القومية العربية كفعل سياسي. مما يعني أنه تم تناهب الشعب وتمزيقه في منطقة، وإيجاد شرخ بين مكونيه، من خلال فعل بعثين عربي وآخر كردي، اقتفى أثره في الطريقة والعمل. بينما المواطنان البعيدان عن هذا الحراك السياسي في القرى والأرياف، في الحي والعمل، لم نجد سوى تآزراً وتعاوناً على أرضية الشراكة التامة بين أناس يظن كل منهم أنه إنسان بجوار إنسان آخر، يشاركه نفس الهواء والوجع في فترة بات الجميع يبحث عن الدولة الوطنية بعيداً عن حالات التنازع.
لقد تم التأسيس لحالات تحدي المكونات ضرباً للتكوين المرسخ سابقاً، رغم نقضه من خلال ثقافة الفكر الواحد، لتهييج الناس والجماعات الاجتماعية، وجعلها فزاعات لبعضها. لتقتات الأنظمة على الاختلاف، ثم ينحسر مفهوم الوطنية الضابط لأي خلاف. وفي غياب دولة المؤسسات، التي تقوم بتنمية الشعور الوطني والوحدة وتؤسس للحقوق المتساوية، وفي غياب ذلك الشعور وضوابطه، يضطر المتشنج من قوم أن يستعين بحالة تُبنى له من قبل خارج ما، ممّا يُحيل لاستفزاز الآخر لإقصائه أكثر ، وهكذا دواليك، بين دينين، أو مذهبين، أو إثنيتين، تحت مسمى قومي مبالغ فيه، يستفز شعوراً قومياً على حساب الدولة الوطنية وقيمها.
ومفهوم الدولة القومية مفهوم ملتبس، فهو يعني أن الدولة العربية للعرب فقط مثلاً، وهو أمر مستحيل. بينما أن تكون دولة ما تعددية، وهويتها جزء من محيط عربي، على أن شعبها يتألف بنيوياً من جملة مكونات، هو الأكثر قرباً للحقيقة. فالشعب السوري واحد، والعرب والكرد والآشوريون وغيرهم، مكونات في الإطار العرقي، بينما تُحترم كل الأديان والطوائف.
ومثلما هناك أقليات تطالب بتطمينات من الأكثرية، يمكن القول أن شكل الدولة هو الضامن، ودستورها الذي يكتبه الجميع. يحق للأكثرية حرصاً على وحدة البلاد أن تطلب تطمينات من الأقليات بألاّ تضع في شكل الحكم مايبيح لسياسييها في يوم ما الحق بالانفصال، ذاك الذي تشم رائحته بمصطلحات وشروط وتغيير لديموغرافيا منطقة أوإقليم، وبآليات دعم دولي لايريد خيراً بالبلاد.
لاوجود إذن للثقافات المتناحرة، بل خصوصيات ثقافية، أو جماعات لها خصوصيتها الاجتماعية والدينية في إطار مجتمع متواشج، موجود ضمن حيز جغرافي ذو فضاء، بمعنى وطن واحد، يُفضي إلى تعددية ثقافية تحيل للتنوع والإثراء، وتتحول في ظروف تهتك بنية الدولة إلى معناها النكوصي الإرتكاسي، وهو التمسك بالجماعة خوفاً أو حرصاً على مصلحة، وهنا نقطة الافتراق. فعندما يبدأ العمل السياسي، سيبحث عن مسوغات ومبررات نجاحه، أو تحشيد مؤيدين له، فيبالغ في الخصوصية دفعاً نحو عمل قطيعي لايعتمد الموقف من الشخص والكتلة والتيار، بقدر ما يعتمد على مرجعيته المتحدر منها -عرق، أو دين- بينما العمل الجماعي ضمن أطر سياسية لا تعبر عن طائفة ومذهب يمكن لأي فرد أو كتلة أن تنجح، ومثال ذلك «الخطيب» وزيراً للأوقاف وهوالمسيحي، ورئيس الجمهورية الكردي «فوزي سلو» في ستينيات القرن المنصرم.
وبعيدا عن الإسلام السياسي الذي ليس بالضرورة أن يكون معبراً عن العرب والسنة، هناك برود لدى العرب عموماً، والسّنة كذلك، لأنهم تعاملوا كأمة تضم فيما تضم من بين ظهرانيها، أو تجاور على أرض ممتدة في وعاء دولة ما، لذا بدا ضعفهم التنظيمي، وانعدمت تلك الإجراءات التي تضمن حق أفرادها وأمنهم. بينما تعامل غير السّنة، وغير العرب، ظاهرياً وبتحشيد مقصود من قبل أنظمة الحكم سابقاً -وبعيدا عن عامتهم النقية – على أنهم طوائف وأعراق وقوميات تستغل فوبيا الخوف من الآخر ليتم دفع السّنة والعرب على أنهم قومية، والسّنة طائفة، مما يعني اختزالاً وتحزيباً ليكونوا أحد طرفي نزاع في أي دولة ذات أكثرية منهما.
والديمقراطية في ظل الدولة التعددية الواحدة، والابتعاد كل الابتعاد عن نظام المحاصصة السياسية هو الحل الوحيد لإدارة التنوع سياسياً، أما الثقافي فتضبطه روح الوطنية وتاريخ من التواشج بين مكونات الشعب السوري وأفراده.





اضف تعليق