عبد القادر العبيد
دعونا نُركّز أوّلاً على بعض الحقائق قَبل الخوض في تَفاصيل البحث، وأهمّها:
كلّنا يعرف أنّ الأَمريكان طَالما تغنّوا بأنّهم المُدافعين عن حقوق الإنسان وحرّيات الشُّعوب، ويشكّل ذَلك جزْءاً منَ السّياسةِ الدّيماغوجيّة التي تَتبعها إداراتِهم المُتَعاقبة في فرض هَيمنتها على شعوبها أوّلاً، وعلى دول العالم ثانيّا.
في الُمقابل، نَجد الرُّوس دائماً ما يتغنّون بمواقفهم التي يصفونها بـ «الثّابتة» وعدم تَخلّيهم عن حلفائهم – رموزِ الدّكتاتوريات - وهَذا هو المنحى الذي تَسير به سياستهم.
إلاّ أنّ ما رأيناه خلال العقد الماضي يُشير إلى أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة عندما تقرّر فعل شيء فهي لا تَنتظر الموافقة الرّوسيّة، ولا الصّينيّة، ولا الأوربيّة. وتَتّجه نحو هدفَها دون أن تَأْخذ الإذن من أَحد. وهذا ما رأيناه في العراق، وليبيا، وأفْغانستان القَريبة من روسيّا.
أمّا فيما يتعلّق بالثّورة السّوريّة، فمنذ بداية الثّورة أبدى الأمريكان موقفهم المناصر للشّعب السّوريّ؛ وحقوقه المشروعة في الحرّية والدّيمقراطيّة. وفي هذه المرّة تحديدا، لم تبدِ أمريكا هذا الموقف دفاعاً عن الشّعب السّوريّ، ولكنّها أظهرت موقفها بشكل سابق لأوانه، كي تزجّ الدّبّ الرّوسيّ في الضّفّة المقابلة لها. وهذا ما حدث فعلاً كون الرّوس اعتادوا على زجّ أنفسهم في الضّفة المقابلة للأمريكان دائماً؛ حتّى ولو كانوا على خطأ، وهذه هي طريقة الأمريكيين دائماً عندما يريدون استجرار الرّوس إلى موقف يريدونه.
الحقيقة الأهمّ، والتي يجب ألاّ تغيب عن أذهاننا أبدا،ً هي أنّ أمريكا ترى في نظام الأسد نظاماً حليفاً، ومطيعاً، متخفيّاً خلف ستار المقاومة التي يستمدّ من خلالها التّأييد الشّعبيّ لتنفيذ المصالح الاستراتيجيّة الأمريكيّة؛ سرّاً أو علناً، وأهمّها حماية حدود إسرائيل من الجانب السّوريّ، وحماية حدودها من الجانب اللّبنانيّ من خلال حزب الله، وهذا شيء لا يختلف عليه اثنان.
لكن عندما بدأت المظاهرات في سُورية، وأبدت روسيّا موقفها المتعارض مع الموقف الأمريكيّ، سارعت أمريكا إلى الحصول على مكاسب لم تكن تحلم بها من قبل، من أهمّها: خلق الفجوة الأعمق بين الشّعب السّوريّ والقيادة الرّوسيّة، وذلك من خلال المطالبة بإدانة واضحة في مجلس الأمن للنظام السّوريّ. ففي حينها لم تبدِ الولايات المتحدّة الأمريكيّة أيّة مرونة في التّنازل عن بنود القرار، وذلك كي تُجبر الرّوس على استعمال حقّ النّقض «الفيتو». إذ أنّ عدم استعمال الرّوس لهذا الحقّ كان سيرتّب على القيادة الرّوسيّة أعباء لا تستطيع تحمّلها، وأهمّها المشاركة في العمل العسكريّ ضدّ النّظام في حال فكّر الأمريكان بالإطاحة به.
هنا أوعزت أمريكا لحلفائها بتقديم قرارين آخرين يُدينان الّنظام السّوريّ في مجلس الأمن، وأجبرت روسيّا على استعمال حقّ النّقض مُجدّداً. وهذا ما دفع الشّعب السّوريّ إلى حرق الأعلام الرّوسيّة في المظاهرات، وبذلك تحقّق المسعى الأمريكيّ في خلق هوّة من الخلاف بين الشّعب السّوريّ والحكومة الرّوسيّة، والهدف هو قطع التّعامل بين البلدين لأنّ تحقيق هذا المسعى يجعل من سُورية دولةً على الشّكل التّالي:
1. سُورية الدّولة بدون أي حليف قويّ يدافع عنها في المحافل الدّوليّة.
2. سُورية الدّولة بدون أي حليف عسكريّ يزودها بسلاح نوعيّ يُهدّد أمن إسرائيل.
3.سُورية الدّولة مدمّرة، ومواردها الماليّة معطلّة، واقتصادها منهار. بالإضافة إلى إنهاك جيشها، وقتل خبراته. بحيث تنام إسرائيل مطمأنة البال على الاقلّ عشرين سنة قادمة.
4.إيجاد البديل من قبل أمريكا نفسها، وبمساعدة عملائها، للوصول إلى مفاصل الدّولة بحيث يمكن التّحكم بقرارات السّلطة القادمة، كي تبقَ سورية ضعيفة تابعة للإملاءات الأمريكيّة كما هو حال الدّول المجاورة لإسرائيل: كلبنان، والأردن، ومصر، والعراق. وبالتّالي خروج روسيّا خارج هذا المربّع الذي يحيط بإسرائيل. خاصّة بعد أن استطاعت إخراجها من العراق وليبيا، ولم يبقَ سوى إخراجها من السّودان.
هنا بدأت أمريكا بالخطوة الثّانيّة المتمثّلة بتدمير الجيش، فأوعزت لحكومة قطر بالتّركيز على دعم الإسلاميين. وسلّمت الملّف السّوريّ لقطر، وبقيت تُعطي تعليماتها من خارج نطاق دائرة الصّراع. وبذات الوقت، أوعزت للسّعودية بضرورة كسب ودّ المعتدلين من الجيش الحرّ واستمالتهم إلى صفّها. وكان الهدف من وراء ذلك هو خلق شرخ بين الفصائل الإسلاميّة، وفصائل الجيش الحرّ، خاصّة بعد أن رفض الجيش الحرّ مُحاربة الإسلاميين في بداية ظهورهم. فحاولت أمريكا خلق هذا الخلاف كي تُحقّق هدفين: الأوّل دفع الجيش الحرّ وإجباره على محاربة الإسلاميين الذين بدأت قوّتهم تكبر؛ وبدؤوا يستولون على مواردهم القادمة من الخارج. والهدف الثّانيّ هو أنّ الأمريكان لا يريدون توحّد كلّ الفصائل المقاتلة على الأرض كي لا تتم الإطاحة بالنّظام السّوريّ بشكل سريع قبل أن يتمّ تدمير الجيش السّوريّ، الذي ما زال يملك بعض الإمكانيّات العسكرية التي من الممكن أن تُهدّد أمن إسرائيل، وهذا ما تحقّق بالفعل. حيث قامت قطر بالتّركيز على دعم الإسلاميين، في حين قامت السّعودية باستقطاب بعض فصائل القوى المعتدلة من الجيش الحرّ، ووعدتهم بتقديم الدّعم اللازم، إلاّ أنّها لم تفِ بوعودها لأنّها لم تتلقَّ الإذن الأمريكيّ، فبدأ الانقسام من هنا. وبذلك أصبحت بعض الفصائل من الجيش الحرّ تنضوي تحت حلف (السعودية + الاردن، بينما انضوت الفصائل الإسلاميّة تحت حلف ( قطر + تركيا)، فـخُلق الشّرخ المُراد إيجاده بين صفوف المعارضة المسلّحة، وأصبح كلّ فصيلٍ يُغنّي على «تمويلاه».
وفي تلك الأثناء دخل بعض المموّلين العرب، ورجال الأعمال من الذين يريدون خلاص الشّعب فعلاً. وحاولوا تقديم بعض الأموال للمعارضة المسلّحة المعتدلة. خاصّة بعد أن رؤوا دور الإسلاميين المتنامي على الأرض وحاولوا الحدّ من هذا الدّور، إلاّ أنّ امريكا سارعت بالإيعاز إلى حلفائها الأوربيين بفرض الحظر على شراء السّلاح للمعارضة السّورية، وذلك كي تبقى الخطة الأمريكيّة تسير بالشكل المرسوم لها. وفرضت الحظر على حركة الأموال البنوك الأمريكيّة والأوربيّة، وقامت بمراقبة حركتها ومنع خروج أيّ مبالغ كبيرة كي لا تذهب للتّمويل العسكريّ. وقد حدث ذلك فعلاً، إذ شاهد الجميع ذلك الحظر الذي تمّ فرضه على منع وصول السّلاح للمُعارضة السّوريّة من قبل الأوربيين، وذلك لكي تبقى قطر هي الدّولة الوحيدة المموّلة للعمل العسكريّ في سُورية.
والغريب أنّ الحكومة القطريّة كانت ترسل لائحة مفصّلة بالأسماء والكميّات مع كلّ شحنة أسلحة ترسلها، حيث تضع في تلك اللّائحة أسماء الفصائل المقاتلة، وبجوار اسم كلّ فصيل تضع نوع وكميّة السّلاح التي يجب إيصالها له، فتقوم بمنح أكثر من 95 ٪ من السلاح للفصائل الاسلامية، في حين تُبقي هامش 5٪ لرئاسة الأركان توزّعها لمن تشاء، كي لا يظهر السّيد رئيس الأركان أمام العالم عبارة عن رجل كرسيّ، مهمته تنفيذ ما يُملى عليه فقط.
استمرت هذه المهزلة حتّى أصبح الشّرخ واسعاً بين صفوف المقاتلين في الداخل السّوري، وهنا بدأ النّظام يستعيد شيئاً من توازنه، وكان الوقت قد اُتيح للولايات المتّحدة الأمريكيّة الانتقال إلى الخطة (ب)، وهي سحب الملّف من يد الحكومة القطريّة وتسليمه للحكومة السّعوديّة.
وفعلاً، استلمت الحكومة السّعوديّة ملّفاً شائكاً، وتركةً ثقيلة قد تكون أكبر من طاقاتها الفكريّة والسّياسيّة، وحاولت أن تعمل جاهدةً للخروج بنتائجَ مرضيةٍ لسيّدها الأمريكيّ. إلاّ أنّ الواقع يشير إلى أنّ فشل السّعوديّة هي النّتيجة التي تسعى إليها الإدارة الأمريكيّة، فهي لا تريد أن يخرج السّعوديين مُنتصرين كي لا تقدّمهم على القطريين، وبنفس الوقت هي لا تريد أن تصبح سُورية دولةً تتبع للسّعوديّة. ويكفي أنّها خلقت شرخاً بين الأشقاء الخليجيين- قطر والسّعودية- الذين حاول كلٌّ منهم على حِدى، تنفيذ الإملاءات الأمريكيّة من أجل تحقيق مكاسب ومغانم سياسيّة، واستراتيجيّة في سورية المُحرّرة. فالقطريون كانوا يريدون انتصار الثّورة على أيديهم كي يحققوا الحلم الذي يطمحون إليه المتمثّل بمدّ خطّ غاز قطر –أوربا عبر الأراضي السّورية. وبنفس الوقت، يسعى السّعوديون لتحقيق هدفهم المتمثّل بحفر آبار نفط على الحدود السّورية مع العراق لمنع تسرّب النّفط السّعوديّ إلى الأراضي السّورية، لأنّ منطقة دير الزور تُعتبر منطقة منخفضة، وهذا يُسّهل تسرّب النّفط السّعودي إلى الأراضي السّورية. وكلا الحُكومتين قدمتا طلبات بهذا الخصوص للنّظام السّوريّ، ورفض تلبيتهما.
والحقيقة الأهم التي يجب أن نعلمها جميعاً، هي أنّ الأمريكان لن يسمحوا للقطريين، أو السّعوديين، بإسقاط الّنظام في سورية، وكلّ ما هو مطلوب منهم إطالة عمر الثّورة السّوريّة مدّةً أطول كي تسير خطّتهم على أكمل وجه. وبنفس الوقت، علينا أن ندرك أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ليست متمسكة بنظام الأسد لكن ليس هناك بديل. وبنفس الوقت هي لا تريد ظهور أي بديل في الوقت الحاضر. بل تقوم بتحضيره لمرحلة ما بعد هذه المرحلة- مرحلة الفشل القطري السعودي- لكي تخرج أمريكا بنتائج مرضية:
1.تدمير الجيش السوري بشكل شبه كامل.
2.تدمير البنية التحتية في سورية.
3.تمزيق النسيج السوري والذي سوف ينتج عنه ما يُسمى بالفوضى الخلّاقة. التي تجعل الأطراف السياسية متصارعة على السلطة ومنشغلة عن اسرائيل.
4.إنهاء التحالفات السياسية بين سورية وبين أي دولة قوية ممكن أن تمدها بالسلاح المتطور الذي يمكن له أن يهدد أمن اسرائيل يوماً ما.
5.فكّ التحالف الإيراني- السوري الذي طالما حلمت اسرائيل بتفتيته. مع زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني المنهك أساساً
6.تخرج الولايات المتحدة الأمريكية على صورة المنقذ الوحيد للشعب السوري، من خلال تقديمها الشخصية البديلة لنظام الأسد. وبالتالي تصنع من نفسها بطل الإنقاذ الأوّل.
7.استنزاف قوة حزب الله العسكرية، مع المحافظة على إبقاءه على الحدود اللبنانية الاسرائيلية، خوفاً من دخول قوات مقاومة سنية. خاصة وأنهم يعتقدون بأنّ السنة هم أكثر تشدّداً وتطرّفاً من الشيعة، وقد خاضوا هذه التجربة في العراق. لذا هم سيحافظون على وجود حزب الله الحدوديّ مع اسرائيل، على أن يبقَ لديه قوة متواضعة.
8.استدراج أكبر عدد ممكن من الجهاديين إلى سورية للخلاص منهم دفعة واحدة، وعلى أيدي الجيش الحر، الذي سوف يتم دعمه خلال الأيام القادمة بإمكانيات عالية. وهذا ما دفع الأمريكان إلى تسليم الملف السوري لقطر- التي تدعم الاسلاميين- أولاً، وأجّلت السعودية التي تدعم المعتدلين إلى المرحلة الثانية
9.قطع اليد الروسية في المنطقة، وخاصة في الدول التي تقع في حوض المتوسط. علما أن هذا الهدف لم يكن مسبقا في بال الأمريكان، ولكنهم وجدوا فيه مغنم جديد يضاف إلى المغانم الأمريكية.
وهكذا سارت كلّ الأمور حسب الإرادة الأمريكية، حتّى حدث متغير فاجأ العالم بأسره، ألا وهو استخدام «الكيماوي». فهذا ما لم يكن بالحسبان الأمريكي على الإطلاق. وخاصة استخدامه بهذه الكمية الكبيرة، والتي وضعت الأمريكان في موقف محرج جداً خاصّة وأنّ أوباما أوعز للأسد باستخدام كل انواع الأسلحة عدا الكيماويّ.
وبعد أن شهد العالم هذه المجزرة المروعة، رأت أمريكا أنّ عدم تدخلها وإظهار شيء من قوتها سوف يؤدي إلى زعزعة الهيبة الأمريكية في العالم. وبالتالي هو تهديد لأمنها القومي. خاصّة وأن كل الدول تؤطّر أمنها القومي في قضايا منطقة أو حدود أو موارد اقتصادية. باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية التي ترى حدودها من القطب إلى القطب، وأنّ هيبتها سرّ قوتها. وتربط أمنها القوميّ بهذه الهيبة التي تفرضها على العالم.
وهنا قامت أمريكا برفع صوتها عالياً بأنّها سوف توجه ضربة لنظام الأسد كي تستعيد هيبتها، إلاّ أنّها استبقت الضربة بتصريحات تنذر بوجوب استمرار الصراع في سورية. كقولها: إنّها لن تقوم بضربة لإسقاط النّظام، بل هي ضربة تأديبية مع تجنب ضرب النقاط الحسّاسة التي قد تسقط النّظام. لكنّ الأسد استبق الضربة الأمريكية، وقام بعدّة خطوات استباقية منها. نشر إشاعات أنّ كبار الضباط هربوا مع عائلاتهم إلى بيروت ودبي. وأنّ الكثير من العسكريين بدؤوا بالانشقاق، وغيرها من الأكاذيب، وقام بإخراج بعض العائلات فعلاً لإقناع الأمريكان بأنّ الضربة سوف تنهي نظامه، علماً أنّ تلك العائلات خرجت بإرادة النظام وليس بدون علمه. كما وأنه أجرى لقاءً مع إحدى الصحف الأمريكية، ووجّه رسالةً واضحة للأمريكان، عندما سأله المذيع: «هل من الممكن أن يسقط نظامك اذا ما وجهت لكم الولايات المتحدة أي ضربة عسكرية»، فأجابه: «نعم، وهذا سوف يُعزّز من قوّة الإرهابيين، وسينمّي دور القاعدة في المنطقة»، أي أنّه يُهدّد أمن اسرائيل. وهذه كانت رسالة واضحة للأمريكان مفادها: أيّ ضربة للنظام تعني أنّ النظام سينهار، وهذا ما جعل الأمريكان يلعبون معه لعبة القطّ والفأر، وحاولوا طمأنته أكثر بأنّهم لن يُسقطوا نظامه، فزودوه بأدق التّفاصيل عن الأماكن التي سوف يقومون باستهدافها، وذلك من خلال صحيفة حصلت على معلومات سرية تفيد بتفاصيل الضربة الأمريكية. وصحيفة أُخرى أمريكية سرّبت معلومات عن المواقع التي سيتم استهدافها. إلاّ أنها كلّها كانت عبارة عن رسائل موجهة من جهاز الـ C.I.A الأمريكية، تنذر الأسد ونظامه بضرورة إخلاء تلك المواقع لأنهم مجبرين على توجيه ضربة شكلية لاستعادة شيء من ماء الوجه الذي سفك أمام العالم كلّه. ومع أن الأسد بدأ باخلاء المواقع المشار اليها بالتسريبات فعلاً، إلاّ أنه كان مصرّاً على أنّ أي ضربة موجهة لنظامه سوف تسقطه، وسوف تعمّ الفوضى والخراب في سورية. وهنا تدخّلت أجهزة المخابرات في كل من بريطانية وفرنسا وأمريكا، لإخراج ساستهم من هذا المنزلق، فأعادوا اللعبة الى مسارح الدّمى -البرلمانات الغربيّة- التي تُحركها أجهزة الاستخبارات في بلادهم كيفما شاءت، خاصّة فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالأمن القومي لتلك الدول. ومن المهم أن يعلم الجميع أنّ البرلمانات الغربية لها حرية شبه مطلقة فيما يتعلق بالقضايا الداخلية التي تتعلق بشؤون المواطن في بلادهم، ولكن عندما يتعلق الأمر بقرار دولي أو أمن قوميّ، فهنا يأتي دور أجهزة المخابرات في توجيههم للتصويت على رفض القرارات، أو قبولها، بحسب ما ترتأيه أجهزة مخابرات بلادهم، والتي تقوم بدورها بإعطائهم دراسات مفصلة، وتوضح لهم ضرورة التصويت على الرفض أو على القبول، وبذلك هي تُبقي البرلمان بالواجهة، وتحقق الهدف في رفض أو قبول القرار. وبنفس الوقت تظهر أمام العالم على أنّها دول ديمقراطية تحترم ما يقرره البرلمان المنختب من قبل شعوبها، «وهذا ما حدث بالفعل»، حيث قام مجلس العموم البريطاني بالتصويت على قرار التدخل في سورية وصوّت الاغلبية برفض مشاركة الحكومة البريطانية في توجيه ضربة للنظام السّوري وهذا الرفض لم يكن رفضاً برلمانياً فحسب، بل كان رفضاً حكوميّاً أيضاً. فلو لم تكن الحكومة البريطانية قد تلقّت تحذيرات تنذرها باحتمالية سقوط نظام الأسد من الضربة الأولى، لما توجهت الحكومة البريطانية إلى البرلمان أساساً، فهي ليست مضطرة لفعل مثل هذا الإجراء. لكنّ القيادة السياسية أرادت عذراً مقبولاً أمام العالم يمنعها من التدخل، أو تخلي مسؤوليتها أمام شعبها فتحمّل المسؤولية لأعضاء البرلمان الذي كان بعض منهم يضغط على الحكومة ويطالبها بالتدخل في حال سقط النظام من الضربة الأولى.
وفعلاً شهدنا رفض البريطانيين المشاركة في الضربة، وأصبح الأمريكي منفرداً في زاوية ضيقة، وقرر الأمريكان إيجاد منفذٍ للخروج من عنق الزجاجة. فحوّل اوباما القرار إلى التصويت في الكونجرس الامريكي. وبدأوا بإذاعة الشائعات سلفاً بأنّ الكونجرس قد لا يصوّت على القرار، وهذا ما يدفعنا لأن نقول أنه قد اتخذ القرار الأمريكي الذي يقضي بعدم توجيه الضربة. وهنا أصبح الأمريكي في حيرةٍ من أمره، فهو أمام خيارين أحلاهما مرّ: فإن هم قاموا بتوجيه ضربة عسكرية للنظام وسقط، فهذا سوف يُفشل خطّتهم التي تنصّ على استمرار الصراع. وإذا لم يوجهوا ضربة فإنّ هيبة أمريكا -التي طالما تغنّى بها ساستها- سوف تضيع. فما هو الحل؟ الحلّ هو: رمي الطّعم للدّب الروسي الذي لا يفقه شيء سوى الأكل والنوم، وهذا ما حدث بالفعل. حيث قام جون كيري بإطلاق تصريح بشكل غير مباشر، ومن فرنسا تحديداً بأنّ الولايات المتحدة هدفها من الضربة عدم استخدام الكيماوي مجدداً، ولو ضمنت أمريكا إتلاف السلاح الكيماوي، لما احتاجت مع حلفائها لتوجيه ضربة لنظام الأسد. وهنا وضع جون كيري الطعم للدّب الروسيّ، وبقي استدراجه عليه. وبعد ساعة من تصريح جون كيري، خرج متحدث من البيت الابيض وأدلى بتصريح ينافي تصريح جون كيري تماماً وقال ان جون كيري قال رأيه الشخصي ولم يكن تصريحه قرار. «او بما معناه». وهذا التصريح كان لاستدرج الدب الروسي إلى الطّعم، وهذا ما حدث فعلاً.
حيث رأت روسيا أنّ هناك بارقة أمل يجب استدراكها والتمسك بها قبل ان يُصعّد الأمريكان ويغيّروا رأيهم، فجاء سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي منبطحاً تحت أقدام السّاسة الأمريكان، وهو يتقدم بمبادرة نزع الكيماوي متمسّكاً بالتّصريح الأوّل الذي أطلقه جون كيري، ومتجاهلاً للتّصريح الثاني الذي أطلقه المتحدث باسم البيت الابيض. وهنا تنفّس الأمريكان تنفّس الصعداء بعد أن استطاعوا الخروج من عنق الزجاجة بفضل وجود الدّب الروسيّ.
لو نظرنا للواقع نظرة موضوعية، فإنّنا نرى بالأفق إشارات تدل على أنّ الأمريكان قد اتخذوا القرار بعدم توجيه ضربة لنظام الأسد قبل المبادرة الروسية. والدليل أن اوباما حوّل القرار إلى الكونجرس للتصويت دون الحاجة لفعل ذلك. ولو بقي الروس صامتين ولم يتقدموا بأية مبادرة لكانوا أحرجوا الأمريكان، ودفعوهم للقبول بأقل من تفكيك الكيماويّ مقابل تقديم مبادرة روسية، ولأصبحت المبادرة الروسية تُقدم بثمن يدفعه الأمريكان. خاصّة، بعد أن أصبحوا عاجزين فعلاً عن توجيه أيّ ضربة لنظام الأسد، ولا أقصد العجز العسكري هنا، بل أقصد تخوفهم من انهيار النّظام بسرعة، وبالتالي ضياع كلّ ما خططوا له، وكل ما أنجزوه.
ولكنّ الغباء الرّوسي هو الذي جعل الأمريكان يحصدون شهرة عالمية في الذكاء السّياسي، وهنا لعب الغباء الرّوسي دوراً هاماً في تغيّر المعادلة السياسية تماماً. وبذلك تكون الولايات المتحدة الأمريكية حصدت النتائج التالية:
1.خرج الامريكان من عنق الزجاجة بتحقيق انجازات استراتيجية تفيد أمن اسرائيل بالمستقبل، ألا وهو انتزاع الكيماويّ.
2.حافظ الأمريكان على الهيبة الأمريكية التي يتفاخرون بها، وأبقوا سفنهم في حوض المتوسط كي يقولوا للعالم لولا القوة الأمريكية لما انتزعنا السلاح الكيماوي، والتصريحات كثيرة من هذا القبيل، والكلّ سمعها.
3.حافظوا على إبقاء النظام السوري في مكانه حتّى يكمل مهمته لحين إنهاء مراحل الخطة الأمريكية القاضية بتدمير سورية كاملةً، بواسطة عميلهم النشط بشار الأسد.
4.زيادة الحقد في قلوب السوريين على الساسة الروس وبالتالي توسعة هوّة الخلاف بين الطرفين.
5.إطالة فترة الصراع إلى مرحلة أطول حتّى تقوم الحكومة السعودية بإكمال مرحلتها القاضية بإضعاف الإسلاميين، وإنهاكهم. وبذلك تكون الولايات المتحدة الامريكية جهّزت البديل.
في نهاية البحث أرغب بالاشارة إلى موضوع مهم جداً، ألا وهو أنّ أمريكا لن تسمح للسعوديين بإسقاط نظام الأسد، وكل ما هو مطلوب منهم الآن هو إضعاف دور الإسلاميين فقط.
والدّليل هو ما شاهدناه من تكرارٍ لسيناريوهات الاشتباكات بين الجيش الحرّ، والكتائب المرتبطة بالقاعدة، والهدف من ذلك إضعافها والقضاء عليها. ولو قمنا بعملية «فلاش باك» فسوف نجد أن تصريحات سليم إدريس، وساسة المعارضة السورية، كانت كلّها تنحصر ضمن تسليط الضوء على الإسلاميين من خلال القول أنّ جبهة النصرة هم أبناؤنا، وإخوتنا وغيرها من الشعارات المهترئة. بينما تحولت كلّ تصريحاتهم إلى تصريحات هجومية على القاعدة، وعلى تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام، وعلى النّصرة بعد ان استلمت السعودية ملف الدّعم السوريّ.
وهنا كبرت هوّة الخلاف بين الطرفين، وازدادت الاشتباكات بين الجيش الحرّ والإسلاميين، وهذا دليل على ما ذكرته سابقاً.
بالنّهاية: هل السّعودية قادرة على إسقاط النّظام والإسلامين معاً؟ كيف تستطيع فعل ذلك؟
هل هي قادرة على إسقاط النّظام، أم أنّ مطلوب منها مهمة محددة، وهي إضعاف الإسلاميين فقط؟
أسئلة برسم الإجابة، قد يجيب البعض عليها بكلمتين، إلاّ أنّها تحتاج لبحث كامل أيضاً، وسأحاول كتابته قريباً إنْ شاء الله.







اضف تعليق