مازن كمّ الماز
الحرب على غزّة ومن قبلها الحرب في سُورية، أظهرت تشابهاً كبيراً في استراتيجيّة وتكتيكات قوى المقاومة المسلّحة في مواجهة عدوٍ متفوقٍ بالسّلاح والقوّة النّاريّة، على ما بين أوضاعها من تشابه واختلاف، وحتّى ما بينها هي من تحالفاتٍ وتناقضات. حماس وبقيّة قوى المقاومة الفلسطينيّة، والجيش السّوريّ الحرّ والكتائب الإسلاميّة المعارضة للنّظام السّوريّ، وأيضاً حزب الله في لبنان .. إذ أصبح البقاء والاستمرار هو الهدف الفعلي لكلّ هذه القوى في ظلّ توازن مقبول مع قوى الخصم، وأصبح التّكتيك المتّبع من قوى المقاومة هذه، هو تطوير قوّة «ردع» قادرة على إيلام العدوّ، وإجباره على العودة إلى التّوازن الهشّ. أو على الأقلّ، منعه من تحقيق النّصر الكامل والقضاء النّهائيّ على قوى المقاومة.
تعايشت حماس، ومعها بقيّة فصائل المقاومة المسلّحة، في هدنة طويلة الأمد مع قوّات الاحتلال، تخلّلتها معارك أو اشتباكات قصيرة الأمد وظيفتها الفعليّة إعادة إنتاج الهدنة، مع تحقيق بعض المكاسب على صعيد إمداد القطاع بحاجياته اليوميّة الضروريّة. حتّى حرب 2009 لم تخرج عن هذا الإطار، و من الصّعب اليوم أيضاً أن نجزم أنّ حكومة نتنياهو تريد تجاوز هذه الحدود وإعادة احتلال القطاع. وعلى الأغلب، لن تتجاوز أهداف قوّات الاحتلال من عمليّتها الحاليّة محاولة ضرب ما تسمّيه بنىً تحتيّة للمقاومة، لكنّها لن تحقّق أكثر من نجاح جزئيّ فقط في هذا، وستتمكّن قوى المقاومة من تعويض خسائرها كما جرى بعد حربي 2006 و2009 وسنبقى بعيدين عمليّاً عن أيّ تغيير جدّي في موازين القوى.
في سورية، وبعد أن تمكّنت القوى المحليّة للجماهير الثّائرة من تحرير أجزاء واسعة من سُورية، انتظمت تلك القوى عسكريّاً في ألويةٍ وكتائب إسلاميّة، وأُخرى تابعة للجيش الحرّ ذات تراتبيّة هرميّة واضحة، وإمدادٍ مستمرٍّ بالسّلاح، والذّخيرة، وغيرها من ضروريّات إدامة الحرب. وبعد تلك النّجاحات الأولى للقوى الثّوريّة المسلّحة بدأت تتشكّل حالة من التّوازن بينها وبين جيش النّظام وحلفائه، وأصبح أيّ تقدّم لأحدهما محدوداً و بطيئاً، وبدأت حالةٌ أقرب لحرب الخنادق أو المواقع، خاصّة مع حيازة قوّات المعارضة المسلّحة صواريخ وأسلحة أكثر فاعليّة وأبعد مدى من الصّواريخ المحليّة التي استخدمتها في المرحلة الأولى من الصّراع، واتقانها وسائل شنّ الحرب «عن بعد» والتي- وإن كانت لا تعادل بعد وسائل قوّات النّظام من براميل وطيران حربيّ، وصواريخ أرض أرض- لكنّها مع ذلك تحدّد ملامح مرحلة جديدة تقوم على توازنٍ ما بين الطّرفين. و تُعوّل قوى المقاومة أيضاً على قدرتها هزيمة قوّات العدّو البرّيّة في حال محاولتها شنَّ حربٍ برّيّة، أو على الأقلّ تأخيرها وإيقاع خسائر مهمّة في صفوفها باستخدام واسع للقنّاصة، وللعبوات، والألغام المضادة للدّبابات، والأفراد، والهاونات، والصّواريخ قصيرة المدى بما فيها تلك الموجّهة ضدّ الدّروع.
إنّ كلّ المواجهات القادمة بين قوى المقاومة وأعدائها ستأخذ بالضّبط شكلَ حربَيْ 2006 و2009: قصف العدوّ بالصواريخ، وإلحاق خسائر بمدنيّيه وقوّاته، ومحاولة استدراجه لحرب برّيّة طويلة لاستنزاف قواه ومنعها من تحقيق نصر حاسم على الأرض، مع المراهنة على تضعضع جبهة العدوّ، أولاً تحت وطأة خسائره البشريّة، وعجزه عن تحقيق أهدافه في وقت قصير. على الصّعيد الاستراتيجيّ، لا يمكن عمليّاً لقوى المقاومة أن تسعى لإلحاق هزيمةٍ نهائيّةٍ بالعدوّ على ضوء التّفاوت الهائل في التّسليح والقوّة النّاريّة. فمن الواضح تماماً في سُورية، أنّها تحاول الحفاظ على مواقعها، والتّقدّم حيث يمكنها ببطءٍ، وفي كلتا الحالتين تبدو أقرب للحفاظ على مكاسبها أكثر من محاولة تحقيق مكاسب جديدة، ناهيك عن تراجع هدف إسقاط النّظام. أمّا فلسطينيّاً ولبنانيّاً فإنّها تريد الحفاظ على قواها أيضاً، حتّى أنّها تحاول، كما يفعل العدو غالباً، تجنّب الصِّدام المسلّح المفتوح مع إسرائيل إن لم تضطّر لذلك. وعلى الصّعيد الإنسانيّ، تضطّر قوى المقاومة للاحتماء بجماهيرها من ضربات العدو، وما عدا محاولتها إيقاع خسائر مقابلة بين مدنييّ العدو، لا تملك قوى المقاومة أيّة تكتيكات جدّية للتّخفيف من خسائر جماهيرها، بالعكس، إنّها مُضطّرةً للاحتماء بجماهيرها، الأمر الذي يُقلّل من خسائرها هي بالمقابل، ويصعب على طيران العدوّ وقوّته النّاريّة المتفوّقة تدميرها، كما أنّ الخسائر البشريّة بين المدنيين ستلعب دوراً في الحرب الإعلاميّة ضدّ العدوّ. مع ذلك، ورغم الخسائر المهمّة في صفوفها، لا نجد بين هذه الجماهير ميلاً قويّاً للتّذمرمن تلك التّكتيكات التي تَزيد من خسائرها ولا تعدها بالمقابل بنصرٍ حقيقيّ على مضطّهدها. يُبدي النّظام السّوريّ هنا نزوعاً أكبر للإجرام، وحساسيّةً أقلّ بكثير تجاه الخَسائر البَشريّة، سواءً في صفوف قوّاته، أو بين الجماهير التي يستهدفها مباشرة بوسائل قتل شديدة التّدمير. وهناك أخيراً الشّعور الغالب بين الجماهير بأنّ قوى المقاومة «تقاتل نيابةً عنها»، وأنّ دورها لا يتعدّى دور «الحاضنة الشّعبيّة» وأن تكون ضحيّة إجرام العدّو عند الضّرورة. رغم أنّ قوى المقاومة المعاصرة (الفلسطينيّة، والسّوريّة تحديداً) اعتبرت نفسها في لحظة تشكّلها تجسيداً لفكرة حرب التّحرير الشّعبيّة، لكنّها في الواقع سرعان ما تحوّلت إلى قوات محترفة دائمة تسعى لامتلاك ما تحتاجه من أسلحة وقدرات عسكريّة تتوافق مع استراتجيتها المعروضة سابقاً، وسرعان ما عملت هي نفسها على إجهاض أيّة مشاركة شعبيّة واسعة في المقاومة، وإذا استثنينا فترة التّأسيس، وفترة التّصدّي للعدوان الإسرائيليّ 1982 عندما توّلت الجماهير مباشرة مهمّة التّصدي لجحافل الغزو، وحملت عبء المعركة -خاصّة في بداياتها- بينما كانت قوات المقاومة تنسحب غالباً دون قتال، فإنّ قوى المقاومة عملت كل ما بوسعها لإجهاض إمكان قيام حرب تحرير شعبيّة و ليس العكس، هذا أيضاً ما حدث في سورية، وفي لبنان من قبل.




اضف تعليق