دمشق-علي عمار
يطلبون منك المساعدة بحجة أنهم مهجرون، قد تقدم لهم ما تستطيع، وتعطيهم بعض المال، حينها يغمرونك بالدعاء والثناء وطول البقاء، وقد لا تستجيب لبعضهم فيكون نصيبك بعضاً من الشتائم، أو نظرات حادة يغشاها عدم الرضا من امتناعك عن المساعدة!.
ظاهرة التسول ليست جديدة على الشارع السوري، ولم ترتبط بأي ظرف ومكان، ولكنها اتخذت طابعاً جديداً بعد الحرب الدائرة فوق الأرض السورية وعلى كل المكونات السورية، فاستغل البعض فيها مأساة النزوح والتشرد والتهجير القسري لكسب المزيد من التعاطف لزيادة مدخولهم اليومي.
لكن ذلك لا ينفي بالطبع أن التسول ارتفع منسوبه بشكل كبير نتيجة للظروف القاسية التي يمر بها المجتمع السوري، فكثير من العائلات هُجرت وتركت مناطقها إلى مناطق أكثر أمناً واستقراراً، وكثير من العائلات فقدت معيلها ورب أسرتها، فاضطروا إلى النزول إلى الشوارع لكسب رزقهم وسد رمق العيش، إذ لا يمكننا إغفال أن بعضاً منهم اضطر لمزاولة مهنة التسول لأنه لم يجد أمامه سبيل آخر.
«قُسمُ الحاجة» وليس قَسمُ المسؤولية!
(بسم الله الرحمن الرحيم، أنا مهجر من سنة ونصف، وأقسم بالله العظيم راح بيتي ومالي وأهلي وأولادي، وما لنا غير الله وأهل الخير، والأجر والثواب على الله ..).
هذا ليس قَسماً لحكومة الحلقي، ولا لمسؤول يتولى منصباً جديداً. إنه قَسم يضعه رجل ستيني أمامه في أحد شوارع مدينة دمشق، وبجانبه كرتونة مليئة بعلب الأدوية الفارغة، للتدليل على الحاجة للعلاج ..
هذا المشهد، ومثل هذا القَسم، ما كنت لتشاهده قبل ثلاث سنوات ونصف، أي ما قبل الحرب التي تدور رحاها فوق الأرض السورية.
لكنه ليس المشهد الوحيد الذ ي تواجهه خلال توجهك للعمل أو السوق، وحتّى أثناء جلوسك في الحديقة التي أصبحت مكاناً لنوم الكثير من العائلات!.
تشاهد المأساة تتنقل أمامك من مكان لآخر، ومن زاوية لأخرى، تجدها عند إشارة المرور، وتحت شجرة، وفي نفق، وحتى في مدخل السوق، تجدها أمام المحلات. إنك تشعر أن كل نساء ورجال وأطفال سورية يتنقلون أمامك طلباً للمعونة، وكأن التسول هو الهدف الذي سعى إليه من يقوم بقتل الشعب وتشريده.
واقع مأساوي، مرير ومؤلم، وكأن السوريون باتوا في الشوارع يستجدون لقمة عيشهم اليومية!.
البعد الاجتماعي والاقتصادي:
إن الارتفاع الحاد للأسعار، وغلاء المعيشة، إضافة إلى أن الكثير من الناس أضحت عاطلة عن العمل، كل هذا دفع كثير من المواطنين الفقراء إلى مزاولة مهنة التسول، لأنه ما من طريقة أخرى بنظرهم لكسب المال. ولا يمكننا أن ننكر أن ظروف الحرب، والتشرد، والقتل، والتمذهب، كانت مناخاً مناسباً لازدياد وتضخم هذه الظاهرة التي تشكل لوحة سوريةلية يومية في شوارع وحارات دمشق والمدن السورية الآمنة.
إن العامل الاقتصادي يؤثر على جميع أفراد الأسرة، وله تأثير كبير على نمو الشخصية. وقد يشكل دخل الأسرة غير الكافي لإشباع الحاجات اليومية لأفرادها، من مأكل ومشرب ومأوى، سبباً يجعل البعض يفتش عن سبيلٍ للخروج من هذا الضغط والحرمان، بالدخول في أعمال هامشية كبائع سلعة رخيصة، أو متسول في الشارع.
«قسوة الصوان» دعتها إلى الشارع:
يلجأ بعض المتسولين إلى عرض خدماتهم، مثل مسح زجاج السيارة أو حمل الأكياس إلى سيارتك، وما يدفع الأطفال في عمر الورود إلى مثل هذا التصرف، هو الظروف القاسية التي تجاوزت في قسوة حجر الصوان!.
فما الذي يرغم أماً كي تبعث بأطفالها الثلاثة إلى الشارع، وهي التي هدها حظها العاثر من مدينة إلى أخرى، حتى استقرت في دمشق. فهي أضحت بين ليلة وضحاها أرملة وأماً لثلاثة أطفال، تركت بيتها ومدينتها قسراً وهرباً من البطش والقتال.
تقول: «رغم خوفي المستمر على أطفالي في الشوارع، إلاّ أني لا أملك لهم إلاّ الدعاء والتوفيق بجمع ما يتيسر من مال لسد ثمن احتياجاتهم الضرورية …»
وتتابع: «إذا كان التسول هو الملاذ الآمن والحل الوحيد لأعيش بكرامة دون خوف من استغلال البشر لي ولأطفالي، فإني أفضله على ذلك، فمهما كان التسول قاسياً لن يكون أقسى من الحياة التي نعانيها».
أطفالنا …. إلى أين؟
كانوا للأمس القريب يلهون جانب منازلهم، يقصدون مدارسهم للتعلم، يفرحون بلعبة جديدة وملابس عيد أنيقة. أضحت ابتساماتهم مبعثرة، وأعينهم حائرة في ظلمة التشتت، فوراء كل ابتسامة وعين حزينة حكاية تحرق القلب وتدفعهم للتسول.
يبحثون عن لقمة العيش في غياهب الأيام السوداء التي أفرزتها الحرب الظالمة، والتي لم تفرق بين كبير وصغير، وبين حجر وبشر!.
في ظل الحرب كان النزوح الأول من ديارهم وبيوتهم المنكوبة إلى المناطق والمدن الآمنة، وفي ظل ازدياد نسبة البطالة، وانعدام فرص العمل، ومع ارتفاع مستمر للأسعار ، أُفرز أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم السنوات العشر، يقيسون الشوارع بحثاً عن غذاء لسد رمق أسرهم، أو كساء لستر أجسادهم، يحملون بين أيديهم «العلكة» أو مناديل ورقية ووصفات طبية.
لستُ طفلاً .. أنا رجل
بهذه العبارة بادرني حين سألته: «ما زلت طفلاً، ومكانك في المدرسة أو البيت». قالها وهو يشعر بالحرقة والمرارة إلى ما وصل إليه حاله وحال أهله وأمثاله من أطفال سورية ورجالها ونسائها، يتنقل مسرعاً من سيارة إلى أخرى قبل أن تعلن إشارة المرور استئناف المسير .
لا يطلب منك إلاّ «أريد أن آكل وأشتري أكلاً لأهلي»، هو بعمر لا يتجاوز الـ 12 عاماً، غريب في مدينة ليس له أحد يعيله، هرب مع أهله خوفاً من الحرب والقتل الذي يتعرضون له. قال: «رأيت كثيرين قُتلوا أمامي، فقط لأنهم من غير مذهبهم».
ما الذي يجعل طفلاً في مثل هذا العمر يتحدث بلغة باتت تنتشر على السطح، لغة الطائفية البغيضة، فهو يتوعد بالانتقام في يوم من الأيام، وأن يأخذ بالثأر مهما طال به العمر .
«إذا ذهبت إلى المدرسة من سيوفر الطعام لأهلي، والدي توفي وتركنا دون معيل، أنا أكبر أخوتي ….»، تشعر حين يحدثك أنه ليس طفلاً ، بل إنه رجل ذاق مرارة الحياة وتحمل المسؤولية باكراً .
« نحن نريد أن نعيش، ومكوثنا في منزل مستأجر يُجبرني أن أتدبر أمر المال كي ندفع الأجرة ونشتري ما يسد حاجتنا».
«نعم اشتقت إلى مدرستي، وإلى معلمي، وحقيبتي وكتبي … لكن هذا الشوق يطفئه ويطغى عليه الحاجة والحرمان التي نعانيهما في مدينة غريبة ليس لنا فيها أحد، إلا الله ….»
«حين تنتهي الحرب التي أكلت أهلنا وشردتهم، حينها يمكننا أن نتعلم ونبني بيتنا الذي تهدم بعد سرقته وحرقه».
بلد القمح والزيتون .. أهلها جياع..!
على أوتوستراد المزة، وتحديداً في نفق كلية الآداب، تجلس امرأة تفترش الأرض وأطفالها حولها نيام، تصرخ بصوت مرتفع: «ساعدوني مشان الله … ساعدوني الله يساعدكن … والله ما معي حق أكل لأطفالي اليتامى …».
وفي الطرف الآخر من النفق، يجلس طفل لا يتجاوز الـ 10 سنوات، وبحضنه أخيه الصغير، ويمد يده ويصرخ بصوت متقطع: «الله يخليكم ساعدونا .. بدنا ناكل … والله ما معنا حق الدوا لأخي …»، وتجد بعده بأمتار رجل ستيني أمامه وصفات علاج وبعض السلع الرخيصة!.
في طريقك إلى فندق سميرأميس، تجد امرأة تجلس دون أن تتفوه بكلمة، هي فقط تمد يدها وكأن لسان حالها يقول «إن كنت بشراً فها أنا أمد يداي إليك لتساعدني لأنقذ أطفالي من الجوع».
غريب أن ترى الجوع يتجول في طرقات وشوارع وحواري سورية، بعدما كانت بلد الفقير، فكيف لبلد القمح والزيتون أن يجوع أهلها؟
التسول منظم أم عمل فردي ..!!
الشوارع مليئة بالمتسولين ومن مختلف الأعمار، لكن الخطير في الأمر هو أن التسول أصبح استثماراً للعاهات التي أنتجتها الحرب، فمنهم من يتعامل مع أصحاب العاهات الشديدة كاستثمار رابح بمدخول عال يومياً.
يتحدث البعض أن هؤلاء جزء من عصابات تسول تقف على إشارات المرور، أو في زوايا الشوارع يديرها غالباً شخص واحد، هذه وجهة نظر البعض، والذين ينتقدون هذه الظاهرة ويدعون لمحاربتها.
لكن في المقابل، هناك وجهة نظر أخرى، تعيد استفحال هذه الظاهرة وانتشارها إلى الحاجة والعوز والظروف القاسية التي يمر بها المجتمع السوري، فكثير من العائلات محتاجة، ولا ينظر إليها أحد. حتى الحكومة لم تتخذ على مدى سنوات الحرب أي خطوات عملية لإنهاء معاناة هؤلاء، مما اضطرهم إلى ممارسة عمل كانوا لوقت قريب من أشد منتقديه.
الأطفال ضحايا الحرب
الحرب أشد وأقسى أشكال العدوان على الإنسان، والأطفال هم الأكثر تأثراً، لأنهم الفئات الأكثر عجزاً وهشاشة لمواجهة ما يتعرضون له من خوف وخطر وموت.
فالطفل السوري يتعرض يومياً لظروف لم يكن يتوقعها، وليس لديه الخبرة للتعامل معها، وحتى أنه غير قادر على استيعاب ما يتعرض له، ويفتقر للقدرة اللفظية للتعبير عما يعانيه نتيجة المشاهدة والمواجهة مع الأذى والمخاطر، فقد فرضت الحرب على الطفل السوري حالات غريبة، لم يكن يتوقعها في مجتمعه وحياته اليومية، كالنزوح، والتشرد، والتسول، وكافة أشكال الاستغلال الجسدي والنفسي.
إن هذه الظروف غير المستقرة، وسط غياب الأمن النفسي وانهيار القيم، وغياب الاتجاهات الإيجابية، يتعلم الطفل الاستجابة للعجز والاستسلام له، ويصبح عرضة لخطر الإصابة بالاضطرابات النفسية والسلوكية.
فالتسول من المشكلات الخطيرة التي يعانيها الطفل السوري، داخل سورية وخارجها، لأن الظروف التي مر بها شكلت أحداثاً صادمة شديدة، تؤثر على توافقه وأدائه الوظيفي، وممارسة نشاطه اليومي، فتراكم هذه الصدامات سيملأ نفوس الأطفال بمشاعر العنف والتوتر والحقد والانتقام، ويخلق لديهم استعداداً للإصابة بالاكتئاب والقلق، واضطرابات النوم، وأعراض هستيرية، والتبول اللاإرادي، وتأخير النضج النفسي، وضعف التركيز ، وكثرة الحركة، وسرعة الانفعال، والعدوانية، والفزع، وأعراض جسيمة كالصداع وألم المعدة والإسهال.





اضف تعليق