نص لــ : مصطفى تاج الدين الموسى
وكان أن أضعت (القداحة).. فجأةً، والدي الذي توفي منذ سنتين خرج من خزانتي، ناولني واحدة وهو يبتسم ثم رجع إلى داخل الخزانة.. في سري شكرتُ الله لأن والدي لم ينتبه لهذه العارية النائمة على سريري..
وعلى سبيل الغزل عرقلتها عندما مشينا إلى المطبخ لنأكل، لا أغير عادتي هذه أبداً.. كلما شربت كأسين من النبيذ أبدأ بارتكاب (الغلاظات) الحلوة بحق أقرب جميلة.
التفتتْ إليّ بغضب فصرختُ بها:
ـــ خذي ضربة جزاء..
الفراشة التي سقطتْ على كتفها وتحولتْ إلى وشم، لم ينتبه لها سوى المراهقين.
الصرصار الذي سقط على كتفي وتحول إلى وشم، أرغم كافكا على أن يكتبني.
أحاول أن أقنعها بأن مدينتي هي أكثر المدن السوريّة حزناً.
تحاول أن تقنعني بأن مدينتها هي أكثر المدن السوريّة حزناً.
ثم نقرع كأسينا ونشرب، لتسكر في خيالنا مدننا التي هربنا منها.
انفجارات كونية عظيمة وصامتة راقبتها في دقيقتين.
الأقمار تتطاير وتتفتت، الكواكب ترتطم ببعضها، المجرات تسقط في انفجارات شموسها.. في مشهدٍ سينمائي بطيء.
كل هذا حدث عندما استلقيتُ جانب جسدها العاري، وكأبله مددتُ سبابتي لأضغط بلطف على حلمة نهدها.
أعتذر يا الله.. لم أكن أعرف أن الضغط على حلمة نهدها هو الطريقة الوحيدة لتدمير هذا الكون.
دائماً يأخذني السرد القصصي إلى حيث لا أريد، يشبه أمي في طفولتي، لم تأخذني إلى مدينة الملاهي، أخذتني دائماً إلى سوق الخضار وأحياناً إلى قبر أبيها.
ـــ أنا أسيرة الأحزان..
قالتْ لي بنعومة، استغربتُ!.. لم أسمع سابقاً أن البلدية قامتْ بتزفيت شارع أو تبليط رصيف في منطقة الأحزان.
ـــ أنا أسير في نومي.. أحياناً أطارد أشخاصاً غامضين.. وأحياناً هم يطاردونني..
تَصلحُ الحرب أن ينحني أحدنا عليها في وقت متأخرٍ من ليله ليشعل منها سيجارته.
اختفى ظلي فجأةً.. من أيام قال لي إنه ذاهب لشراء علبة سجائر ولم يرجع، أخبرت إمام الجامع فصاح عبر مكبرات الصوت حول المئذنة:
ـــ من يعثر على ظلٍ ضائع ليجلبه إلى الجامع وله الآجر والثواب في الآخرة..
على السرير سألتني من بين قبلاتنا الباهتة:
ـــ أتحبني؟..
ـــ شَعرك جميل.. يشبه الملوخية..
ـــ أتحبني؟..
ـــ تركت الحب في مدينتي.. حقيبة هروبي كانت صغيرة..
الثلاثاء الماضي وأثناء مشادة كلاميّة حادة بيني وبين شخص آخر يسكن في داخلي، سقط الإبريق ليسيل الشاي الساخن على ساعدي.
لدقائق وأنا أتأمل البخار الحار وهو يتصاعد من ساعدي، وأتساءل في سري:
ـــ ماذا يمكن أن يقول الإنسان في مثل هذا الموقف المحرج؟.. نسيت..
أتعبتها وأتعبتني ومعاً أتعبنا سريري الضيق بعد أن نزحنا عن ثيابنا.
عندما انتشتْ المدن السوريّة المدمرة داخل جسدينا.. بكتْ هي بصمتْ ثم نمنا.
استيقظتُ بعد قليل، لم أعرف كم كان الليل، لكنني شعرت ُبأنه كان كثيراً.
نظرتُ إليها فاكتشفتُ أنها قد ماتت.
استدرتُ لأغني أغنيات بلغة غير مفهومة، فلوح لها مودعاً الصرصار من فوق كتفي.
جاء الصباح فأجفل ضوئه الغبي موتها البارد.
حملتها بين ذراعي وقفزتُ بها من نافذتي في الطابق الخامس.
تجمع الناس حول جثتينا العاريتين فوق الرصيف، نزل الصرصار عن كتفي ومشى مبتعداً علّه يعثر على كتفٍ آخر يبدأ فوقه حياةً جديدة.
سألتها بصمتْ:
ـــ أمعقول أن لا نعثر على سجائر في العالم الآخر..
ابتسمتْ وقالت بصمتْ:
ـــ أريد ضربة جزاء..





اضف تعليق