مكتب ريف دمشق- سمارة القوتلي
أهالي الغوطة الشرقية يستقبلون عيدهم الثالث تحت الحصار، والسيدة رحاب قلقة بشأن ابنتها آية المصابة بشلل دماغي. لم تكن السيدة رحاب من ريف دمشق لتتخيل نفسها يوماً وهي تعدّ خبز الشعير لأبنائها على دخان الحطب، ولم تتوقع أيضاً أن تنظر بحرقة وألم إليهم، وفي قلوبهم حماس لاقتراب وقت العيد، دون استطاعتها أن تؤمّن لهم أدنى متطلباتهم من حلوى أو لعبة صغيرة. رحاب الأم لثلاثة أولاد من مدينة دوما، ذاقت مع أطفالها ويلات الحصار بأكملها الذي تعرضت له غوطة دمشق الشرقية في الأيام الأخيرة، تسترجع ذكرياتها في البواكير الأولى للثورة السورية حيث كان منزلها مقرا ً رئيساً لنشطاء الثورة في المدينة. كان النشطاء في منزلها آنذاك يقومون بالتحضير والترتيب لأمور كثيرة وممتعة كما قالت، فمنهم من كان يكتب على القصاصات عبارات ضد السلطة، ومنهم من كتب على البوالين «يسقط الأسد» وقام برميها فوق رؤوس حواجز النظام، وكانت هي تعد لهم من أطيب الطعام والشراب وتحاول توفير الأمان لهم عبر مراقبتها للمنزل والشوارع خوفاً من المداهمات الفجائية، وساعدتهم بكل ما قد يلزمهم ليقوموا بنشاطاتهم المدنية وحتى العسكرية. خلال الأيام الأولى للثورة ماكان هناك من وقت راحة قبل أيام العيد في حياتها، إلاّ تلك الأوقات المستقطعة التي كانت تتفرغ فيها لعلاج طفلتها آية المصابة بشلل دماغي جزئي، واصطحابها لمركز العلاج الفيزيائيّ رغم الظروف الأمنية الصعبة المحيطة بأسرتها. ثلاث سنوات مضت على السيدة رحاب وهي مازالت تقوم بعملها ونشاطها ذاته لكن دون الاحتفال بالأعياد كما الأيام الماضية، وهي منذ سنة ونصف تقريباً توقفت عن متابعة علاج ابنتها آية وذلك بسبب الحصار المطبق على الغوطة الشرقية، وعدم استطاعتها الذهاب والعودة من دمشق وإليها لإيصال ابنتها إلى المراكز المختصة، وبالتالي لم تعد الأدوية اللازمة لابنتها في متناول يديها بسبب انقطاع الطريق، وهو ما جعل حالة آية الصحية تتراجع وتزداد سوءاً. ثياب مهترئة وأحذية مرقعة، إلى جانب ذلك تشكو السيدة رحاب اقتراب أيام عيد الفطر والذي بات لا يفصلها عنه سوى أيام قليلة. وتقول أنه العيد السادس الذي يمر على المدينة منذ بداية الأحداث في سورية، كما أنّه ثالث عيد يمر عليها وعلى أسرتها في ظلّ الحصار المطبق على الغوطة الشرقية التي بداخلها ما لا يقلّ عن مليوني نسمة. لم يتسنَ لـرحاب شراء ولا أية قطعة ملابس تنقص أطفالها هذا العيد، فضلاً عن أنها امتنعت في الأعياد السابقة التي مرت خلال الثورة عن الاحتفال مع أولادها في أيام العيد حداداً على أرواح الشهداء من جهة، وظنّاً منها أن الأزمة ستنتهي وأن الحل قريب. حتّى تقدّم بهم الزمن، فقابلوا أياماً عصيبة، واستقبلوا العيد بثياب مهترئة وأحذية مرقعة. بيد أنَّ ما يزيد حرقة قلبها هو رغبة أطفالها الشديدة في ركوب الأراجيح وألعاب العيد، التي إذا تواجدت زادت من آلامها أنها لا تمتلك مالاً يكفي لمثل هذه المتطلبات. فالغلاء في الأسعار جنونيّ، ولا سبيل للإسراف بأي أموال وفق ما تقول: «إذا ما وفرنا ودارينا حالنا ما منقدر ناكل»، لم يعد النشطاء يتواجدون في منزلها كما السابق، وذلك لأسباب عديدة، منها أنّها اضطرت لتغيير مكان منزلها الذي أصبح غير صالح للسكن بسبب علّوه، ذلك أنّ قذائف الهاون وغارات الطيران التي تنهال عليه ليلاً ونهاراً لا تجعلها وأطفالها في مأمن منهم. تقول رحاب متابعة سرد قصتها، خافية دمعتها: «أنّ أغلب نشطاء الثورة في مدينة دوما الذين كانوا يترددون إلى منزلها لم يعودوا هم أنفسهم الذين يترددون الآن. فقد قتل أكثرهم، واعتقل البعض الآخر، والبعض غادر البلاد لأسباب أمنية. فيما تخبرنا أنّ معظم من تبقى منهم في الغوطة الشرقية المحاصرة هم في تعداد المصابين والجرحى الذين لا يزالون ينتظرون العلاج المناسب على أمل انفتاح الطريق، وانتهاء الأزمة» .




اضف تعليق