حواس محمود
كاتب سوري
إنّ تعثّر الثّورة السّورية، وعدم وصولها إلى النّصر المؤزّر على الاستبداد ورموزه. يفرض على البّاحث المهتمّ بالمسألة السّورية دراسة أسبابه وعوامله، وهي أسبابٌ وعواملٌ متعدّدة، لكنّنا هنا سنتناول أهمّ سببٍ مُعرقلٍ لنجاحِ الثّورة، وهو موضوع التّمثيل السّياسيّ للمعارضة بين الدّاخل والخارج.
الثّورة السّورية انطلقت نتيجة قمع وفساد النّظام السّوريّ طيلة أكثر من أربعين عاماً، ومواكبةً لثورات الرّبيع العربيّ في بداية عام 2011 انطلاقاً من تونس، ومروراً بمصر، واليمن، وليبيا.
اجتمع العامل المُستديم (وهو قمع وفساد النّظام الدّكتاتوريّ في سورية بقيادة عائلة الأسد، التي نهبت البلاد والعباد وأعاثت فساداً وطغياناً، وأبعدت النّاس عن السّياسة)، مع العامل المستحدث (وهو انطلاق شرارة الثّورات العربيّة على أنظمةٍ فاسدة، وقمعيّة تتشابه مع النّظام السّوريّ، ليتمّ انطلاق الثّورة السّوريّة المباركة التي هزّت أركان النّظام السّوريّ، وغصّت السّاحات والشّوارع السّوريّة بالشّباب خصوصاً، والشّعب عموماً، مُحتفلين بأعراس الثّورة والحرّية التي كسرت حاجز الصّمت والخوف، وإلى الأبد).
احتاجت الثّورة منذ البداية إلى حالة تنظيميّة فأُنشأت التّنسيقيّات الشّبابيّة في معظم المحافظات السّوريّة، من درعا إلى القامشلي.
وبالرّغم من محاولات النّظام احتواء الحراك، مرّة بزيادةٍ بسيطةٍ بالرّواتب بعد أحداث درعا من خلال مستشارة الرّئيس بثينة شعبان، وكان ردّ فعل الشّارع قوياً إذْ قال لها (يا بثينة يا شعبان الشعب السوري مو جوعان)، أو من خلال تأمين لقاءات لشخصيّات معارضةٍ في الدّاخل تتّسم بضعف الموقف الثّوريّ، ومنها من كانت موالية للنّظام، وهذا ما تجلّى في لقاء فندق سميراميس وغيره. إلاّ أنّ الحصيلة التّراكميّة، من نشوء الأحزاب والتّجمعات في الدّاخل والخارج أفرز كُتلتين سياسيتيْن مُتمايزتين في الهيكليّة والرؤى السّياسيّة من الثّورة هما: 1-هيئة التّنسيق الوطنيّ للتّغيير الدّيموقراطي في سورية. 2- المجلس الوطنيّ السّوريّ الذي تحوّل (عبر توسّعه فيما بعد) إلى الائتلاف الوطنيّ لقوى الثّورة والمعارضة السّوريّة.
1-المجلس الوطنيّ السّوريّ:
كان تشكيل قوة سورية مؤتلفة أمراً ضروريّاً لتوحيد وتحريك الجهود لتكون مُؤطّرةً ومُنسّقةً وفاعلة بين الدّاخل والخارج. وهذا ما تجلّى في جمعة أطلق عليها المتظاهرون «وحدة المعارضة». ونتيجة لجهود مكثّفة، وعدّة لقاءات في استانبول، تمّ تشكيل المجلس الوطنيّ السّوريّ بتاريخ 2011-10-02، وأعلن في بيانه التّاسيسيّ أنّه يُمثّل العنوان الرّئيس للثّورة السّورية في الدّاخل والخارج. لم يكن المجلس إطاراً جامعاً للطّيف الواسع من قوى المعارضة، لكنّه كان جامعاً لأغلب القوى المعارضة التي تمثلّت فيه بشكل رئيسيّ.
وتَشكّل المجلس من بعض الشّخصيّات المستقلّة، والتّيار الإسلاميّ المستقلّ ومجموعة العمل الوطنيّ، وممثّلين عن قوى الحراك في الدّاخل، وعن «إعلان دمشق للتّغيير الدّيموقراطيّ»، وتيّار المستقبل الكرديّ. إضافةً إلى حزبين كرديّين آخرين، وجماعة “الإخوان المسلمين” في سورية، والمنظّمة الآثوريّة الدّيموقراطيّة. وشكّل المجلس أمانةً عامّةً له ومكتباً تنفيذياً.
لاقى تشكيل المجلس الوطنيّ ترحيباً شعبيّاً في الدّاخل السّوريّ، لاسيّما بين أوساط المحتجين، إذْ رفعوا في تظاهراتهم لافتات تؤيّد المجلس، وسمّوا يوم الجمعة 2011-10-17 جمعة «المجلس الوطنيّ يُمثّلني»، وأيّدته العديد من التّنسيقيات، وبخاصّة الهيئة العامّة للثّورة السّورية، ولجان التّنسيق المحليّة.
2- هيئة التّنسيق الوطنيّ للتّغيير الدّيموقراطيّ في سورية:
عقدت هيئة التّنسيق الوطنيّ مؤتمرها الأوّل في 2011-09-17، تحت لاءاتٍ ثلاثة: «لا للتّدخل الأجنبيِّ، لا للعنف، لا للطّائفيّة»، ونصّ البيان الختاميّ للهيئة على «عقد مؤتمرٍ وطنيّ عامّ وشامل»، وطالب النّظام بوقف الحلّ الأمنيّ العسكريّ، والاعتراف بالطّبيعة الشّاملة للأزمة.
لم يكن لهيئة التّنسيق أيّ بُعدٍ وتأييدٍ شعبيّ، ولذلك لم تلقَ الاهتمام- كما هو حال المجلس الوطنيّ- وشهدت الهيئة انسحابات كثيرة من شخصيّات وتيّارات سياسيّة مختلفة، وتجدر الإشارة إلى أنّ حزب الاتحاد الدّيموقراطيّ في سورية (وهو الفرع السّوري لحزب العمّال الكردستانيّ في تركيا p k k) كان مؤتلفاً ضمن هذه الهيئة المؤلفة من قوى سورية قوميّة.
وفيما بعد ومع توالي جهود جميع قوى المُعارضة في هيئةٍ أو ائتلافٍ جديدٍ، برزت مبادرة رياض سيف، التي عرفت باسم «المبادرة الوطنيّة السوريّة»، ولاقت قبولاً ودعماً قويّاً عربيّاً، وإقليميّاً، ودوليّاً، حيث اجتمع في لقاءٍ تشاوريّ في الدّوحة، في الثامن من تشرين الثانيّ 2012، ممثّلون عن العديد من قوى وهيئات المعارضة السّياسيّة السوريّة، مع شخصيّاتٍ مستقلّة، وقوى ثوريّة أخرى، وبعد نقاشات مستفيضة، اتفق المجتمعون على تشكيل «الائتلاف الوطنيّ لقوى الثّورة والمعارضة السّوريّة» كمعبّر عن معظم الحالة ّ في سورية.
شهدت المعارضة السّورية انسحابات عديدة للقوى الكرديّة واختلافاً كردياً/ معارضاتيّاً سوريةً في العديد من المؤتمرات واللّقاءات المعارضة، إلاّ أنّ الخلاف الكرديّ/ الكرديّ بين المجلس الوطنيّ الكرديّ المدعوم من إقليم كردستان بقيادة مسعود البارزاني، ومجلس غربيّ كردستان المدعوم من حزب العمال الكردستانيّ التّركي، أسفر في النّهاية عن انضمام المجلس الوطنيّ الكرديّ إلى الائتلاف، وتمّ تعيين الدّكتور عبد الحكيم بشّار نائباً لرئيس الائتلاف أحمد الجربا. وأبرز نقطة اتفاقٍ بين الطّرفين -الائتلاف والمجلس الوطنيّ الكرديّ- كانت: تأكيد الائتلاف على الالتزام بالاعتراف الدّستوريّ بهويّة الشّعب الكرديّ القوميّة، واعتبار القضيّة الكرديّة جزءاً أساسيّاً من القضيّة الوطنيّة العامّة في البلاد، والاعتراف بالحقوق القوميّة للشّعب الكرديّ ضمن إطار وحدة سورية أرضاً وشعباً.
إنّ موضوعَ الدّاخل والخارج، هو موضوعٌ حقيقيّ، وذو طابع جغرافيّ وسياسيّ، ذلك أنّ معارضة الخارج اتسمت بأنّ معظم أقطابها هم خارج سوريّة من أعوام عديدة، وهم ورغم معاناتهم الشّديدة مع النّظام السّوريّ، إلاّ أنّهم يختلفون عن المعارضة الدّاخليّة التي تعيش الواقع القاسيّ بصورة يوميّة، وتحتكّ بالنّظام، وهذا يؤثّر على نمط تفكيرها، وموقفها الحاسم من النّظام، وهي بعيدة عن دائرة الرّفاه واليُسر المادّي الذي يعيشه السّوريّ المُعارض في الخارج، إلاّ أنّ الاستيلاء على المعابر الحدوديّة مع تركيا والأردن، أفسح مجالاً لتداخل الدّاخل بالخارج، فصار من اليُسر أنْ يلتقي من في الدّاخل بمن في الخارج، وتحوّل قسم من معارضة الدّاخل إلى معارض بالخارج، وهذا التّصنيف في كثير من الأحيان يأخذ حجماً أكبر من حجمه الحقيقيّ، ويلجأ النّظام إلى هذا التّصنيف بصورة مقصودة لبثّ الفرقة بين أطياف المعارضة بغية تقسيمها وتشتيتها ليتيسّر له القضاء عليها في اللّحظة المناسبة. إنّ التّصنيف الأساسيّ يجب أن يعتمد على مدى جذريّة أيّ طرف معارض في موقفه من إسقاط النّظام -الهدف الأساس للثّورة السّوريّة- وبناء سورية تعدديّة ديموقراطيّة. لقد كانت كلّ المعارضة الدّاخليّة والخارجيّة متّفقة على سلميّة الثّورة، لكنّها في معظمها أجمعت على ضرورة عسكرة الثّورة بعد الفيتوات الرّوسيّة الثّلاث التي منعت مجلس الأمن من التّدخل لحلّ الأزمة السّوريّة لصالح الشّعب السّوريّ، وإيقاف القمع من النّظام، وبالتّالي إسقاط النّظام إذا لم يستجبْ للقرارات الدّوليّة تحت البند السّابع. ومع الانشقاقات الكبيرة التي حدثت للجيش السّوريّ، ومع استحالة البقاء ضمن التّظاهر السّلميّ والحاجة إلى حمايته من قبل الجنود المنشقّين والشّباب المتطوّعين في الجيش الحرّ، مع كلّ هذا تغيّر موقف المعارضة في عمومها بالدّاخل والخارج، ما عدا هيئة التّنسيق الوطنيّ التي كانت ترفض العسكرة بحجة أنّه يُمكن حلّ الأزمة سلميّاً مع النّظام. لكنّ مؤتمر جنيف 2 بحضور المعارضة، أثبت أنّ النّظام لا يُمكن أن يتنازل عن الحكم سلميّاً بصورة قاطعة، وهنا كملاحظة هامّة، يُطلق على هيئة التّنسيق صفة معارضة الدّاخل، وهو إطلاق كبير جدّاً على هيئة التّنسيق، إذ أنّ التّنسيقيّات، والقوى الثّوريّة، وقوى الجيش الحرّ كلّها معارضة الدّاخل وليس هيئة التّنسيق وحدها.
نتيجةً للقمع المتواصل، ومع استحالة إسقاط النّظام ضمن الظّروف التي كانت موجودة قبل التّسلح والعسكرة، تحوّلت الثّورة تدريجيّاً إلى الأسلمة، وهذا تجلّى من خلال أسماء الكتائب، والألوية، والفرق العسكريّة. وكذلك من خلال نفوذ القوى الإسلاميّة في معارضة الخارج كالإخوان المسلمين، وغيرهم من القوى الإسلاميّة. أمّا شكل الدّولة، فمعظم قوى المعارضة متّفقة على أن يكون هناك نظامٌ تعدّديّ، ديموقراطيّ، يعترف بالمكوّنات الأساسيّة في سورية، وان يكون الإسلام أحد المصادر الأساسيّة للتّشريع في الدّولة الجديدة، ما عدا قوى ذات طابع إسلامويّ لا تقبل إلاّ بالدّولة الإسلاميّة. وهذا النقاش أُرجئ لصالح تكثيف الجهود باتجاه إسقاط النّظام، إذ أنّ البرلمان السّوريّ القادم هو من سيتنطّع للمهام التّشريعيّة، والدّستوريّة، والقانونيّة.
حاول النّظام، ولا يزال، ضرب الحاضنة الاجتماعيّة للثّورة، فهو يضرب الشّعب السّوريّ في المناطق المحرّرة، ومناطق مقاومته التي تديرها القوى الثّورية والجيش الحرّ، بشتّى الأسلحة الفتّاكة، وهذا ما سبّب نزوحاً كبيراً للسوريين، وألقى على عاتق المعارضة الخارجيّة مهامَ كبيرة تعجز عنها لوحدها، ناهيك عن وجود فسادٍ في إدارات هذه المعارضة. كما أنّ إمكانات المعارضة الدّاخليّة محدودة ومتواضعة جداً، وبهذا خلقت السّلطة إرباكاً للقوى الثّوريّة في الدّاخل والخارج، وشكّلت حالة فصام بين معارضة الدّاخل والخارج، كما أنّ الإعلام السّلطويّ قد كثّف من حملاته المعادية للمعارضة الخارجيّة والدّاخليّة، واتهمها بالإرهاب، والعمالة، وخيانة الوطن. كلّ هذا في ظلّ تخاذل المجتمع الدّوليّ عن نجدة الشّعب السّوريّ من كلّ النّواحي التّسليحيّة، والمادّية، والإغاثيّة، والقانونيّة، والدّبلوماسيّة، والدّوليّة بحيث عجز المجتمع الدّوليّ أمام الفيتوات الرّوسيّة الصّينيّة عن مناصرة الشّعب السّوريّ، اقلّه في الجوانب الإنسانيّة، إذ تعرّض الكثير من المعارضين وداعميهم من الحواضن الاجتماعيّة إلى التّجويع والحصار الخانق، ممّا أدّى إلى ما يُسمى بالمصالحات، والتي جاءت لصالح النّظام، وتاجر بها كما في حمص، ومخيّم اليرموك، ومناطق أُخرى. وكان الحصار من قبل النّظام مزدوجاً: داخليّاً وخارجيّاً. إذ استفاد من المواقف الرّوسيّة والإيرانيّة الدّاعمة له دبلوماسيّاً، وهذا أثّر على جهود المعارضة لدعم الشّعب في الدّاخل.
الآن باتت الضّرورة ملّحة أكثر من أيّ وقت مضي لتنسيق الجهود المعارضاتيّة بين الدّاخل والخارج عبر الاستفادة من بوّابات العبور بين سورية والدّول المجاورة، وعبر الوسائل التّكنولوجيّة الأُخرى المتعدّدة، لتأطير العمل الجماعيّ من اجل استعادة روح الثّورة، وتلافي النّواقص الفكريّة، والقانونيّة، والعسكريّة، والسّياسيّة، والتّركيز على دعم الدّاخل. ولا ننسَ ضرورة إنشاء إعلامٍ للثّورة، معاصرٍ، وقادرٍ على فضح النّظام وشرح المعاناة السّوريّة للعالم من أجل تشكيل رأيٍّ عامٍّ سوريّ ودوليّ ضاغط على نظام الأسد، وانتزاع قرارٍ ما من مجلس الأمن، أو الجمعيّة العموميّة للأمم المتّحدة، وأيضاً عبر تطوير هيكليّة الجسم المُعارض، وبخاصّة الائتلاف الوطنيّ لقوى الثّورة والمعارضة السّورية، بما يتيح المجال لإسقاط النّظام الاستبداديّ في سورية.





اضف تعليق